د. أحمد بن محمد بن راشد الهنائي **
ترتكز قيمة الأسواق التاريخية إلى ديمومتها، وقدرتها على وصل ذاكرة المكان بحياته اليومية؛ ففيها تتراكم الخبرات، وتتعاقب الحرف والمهن، وتتداخل المصالح الاقتصادية مع الروابط الاجتماعية. ويكتسب سوق بهلاء التاريخي أهميته من تعضيد تلك الصلة العلائقية بمكوناته الإنسانية وطبيعته التراثية المتفردة، إضافة إلى كونه فناء لكسب الرزق، وتبادل الأخبار، وحفظ الموروث المحلي. ومن ثم، فإنَّ تطويره يقتضي رؤية تجعل خصوصيته مصدرًا لجاذبيته، وتأهيل مرافقه بديمومة نشاطه، وتفاعل التجار وأصحاب المهن مع عصر الحداثة والمحافظة على أصالته.
وتأسيسًا على ذلك قطعت محافظة الداخلية شوطًا كبيرًا في إعادة تأهيل هذا الصرح السياحي، وذلك عبر القيام بتطوير المرافق والممرات والمحال، مع مراعاة المحافظة على الهوية العمرانية، والإرث التاريخي الذي أمتاز به هذا السوق عبر مختلف الأزمنة. وتتفيأ الرؤية المقترحة تكامل ثلاثة عناصر، تتمثل في: قيمة تراثية تمنح السوق تميزه وتفرده، وتجربة سياحية تستقطب الزائر وتشجع على الإنفاق، وتنمية محلية تعمل على العناية بالمكان ودعم استمرار الأنشطة.

وتكمُن فاعلية مقومات الجذب ومتطلبات التطوير للبنية المؤسسية لسوق بهلاء من خلال المحاور الآتية:
أولًا: القيمة التراثية وتكامل مقومات الجذب السياحي
تتجلى خصوصية السوق في اجتماع التكوين العمراني بالنشاط الإنساني. وهو ما أبانت عنه جمالية الفنون التراثية في أسقف ممراته، وتشييد محاله، وتعدد وتنوع أنشطته التقليدية، مثل: الحدادة، والمنتجات الزراعية، والصناعات الفضية، وتجارة البهارات والحبوب. وتتحول هذه الخصوصية إلى قيمة سياحية حين يستطيع الزائر فهمها والتفاعل معها. فالتعريف بالحرفة وصانعها ومكوناتها يضيف إلى المشاهد مضمون معرفي، ومخزون ثقافي، مانحًا المنتج المحلي قيمة ترتبط بأصالته ومهارة إنتاجه.
وتعزيزًا لدور السوق بالإمكان إضافة تجربة تستحق تخصيص وقت لها. تتمثل في المشاهدة الحية للحرفة، والتعرف إلى مكوناتها وبداية إنتاجها، ومن ثم القيام بشرائها أو المشاركة في صنعها، مما تغني الزيارة إرثًا ثقافيًا وبعدًا اقتصاديًا يعود بالنفع والفائدة على أصحاب المهن. وبذلك يصبح السوق جزءًا مؤثرًا في برنامج الزيارة، وتزداد فرص استفادته بالنظر إلى تموضعه من جاذبية المواقع المحيطة به.
ومن نافلة القول إن بناء هذه التجربة يحتاج إلى حصر ميداني للأنشطة القائمة وتقييم جاهزيتها، بالتوازي مع دراسة احتياجات الزوار. وتساعد هذه الخطوة على تحديد الخدمات التي يمكن تقديمها مباشرة، والأنشطة التي تحتاج إلى تأهيل، بالإضافة إلى استشراف الفرص ذات الاستثمارات الجديدة، بغية توطيد العلاقة بين متطلبات السياحة وواقعية السوق.
ثانيًا: تأهيل السوق وصون هويته العمرانية والتجارية
لا مندوحة أن المحافظة على القيمة التراثية للسوق تقتضي أن يخدم التأهيل استمرار استخدامه مع صون تركيبته، وعناصر تميزه. وتتمثل أبرز تلك العناصر في توفير وسائل السلامة، وأدوات النظافة، والإنارة الجيدة، بالإضافة إلى التهوية وعدد المداخل والمخارج، عوضًا عن توفير وسائل تسهل وصول كبار السن وذوي الهمم، وذلك على نحو يوازن بين احتياجات الاستخدام وحماية الإرث التاريخي.
وغني عن البيان يجب أن تتسق هوية السوق مع طبيعة أنشطته وتوزيع مبانيه. فعشوائية المصفوفة التجارية قد تؤدي إلى إضعاف الحرف والسلع التي تمنحه خصوصيته. ولذلك تبرز الحاجة إلى إعداد دراسة متكاملة لنمط الخدمات المقدمة، يحدد من خلالها الأنشطة التي تستحق المحافظة والدعم، والخدمات المكملة التي يمكن إضافتها، وملاءمة بعض الخدمات للمساحات وحركة المرتادين.
ولا مشاحة في القول إن هذا السوق يتسم ببعد قانوني، يتمثل في كون بعض مرافقه وقف عام تحت إشراف الجهة المختصة في الحكومة، ومن ثم يتطلب تنظيم الاستثمار والانتفاع مراجعة وثائق الوقف والعقود والصلاحيات المقررة، لتحديد حقوق الأطراف والتزاماتهم ومدى اتساق الترتيبات المقترحة مع أغراض الوقف. لذا ينبغي أن تستند دراسة شروط الانتفاع والمقابل المالي إلى تقدير أثرها على استدامة الأنشطة؛ فبعض الحرف محدودة الإنتاج، لكنها تضيف إلى جاذبية السوق قيمة تتجاوز مبيعاتها المباشرة، وتستفيد من حضورها أنشطة أخرى. ويبرر ذلك إدراج قيمتها التراثية، وأنشطتها التجارية، ضمن تقييم بدائل الاستثمار، إلى جانب العائد المالي، وفقًا للقواعد المنظمة في هذا الشأن.
ثالثًا: كفاءة التشغيل وجودة التجربة السياحية وتعزيز العائد المحلي
ويعمد التأهيل إلى رفع الحركة اليومية للسوق؛ إذ يحتاج السائح إلى معلومات موثوقة، والزائر إلى محال نشطة، وخدمات مناسبة، ومنتجات تستحق الاقتناء. وفي المقابل يحتاج التاجر إلى حركة شرائية تساعده على تغطية تكاليفه وتطوير نشاطه. وتتقاطع كفاءة التشغيل بين هذين القطبين من خلال خدمة منتظمة تقابلها فرص واقعية للبيع والتفاعل. ويتربع وقت النشاط والذروة في مقدمة عناصر هذه الكفاءة، فمن المفيد الإعلان عن فترات معلنة يتوافر خلالها قدر كافٍ من المحال والخدمات، يصاحبها بعض الأنشطة والفعاليات السياحية أو الترفيهية خلال الفترة المسائية أو برامج أسبوعية.
وبطبيعة الحال يرتبط نجاح هذا العمل التكاملي بالتقيد في إنجاز الالتزامات؛ فانتظام فتح المحال يحتاج إلى توفير خدمات مناسبة، وتلك الخدمات بحاجة إلى جهود منسقة لاستقطاب الزوار. ولا غرو أن تعزيز موثوقية السوق لدى الزائرين والمرشدين ومنظمي الرحلات عوضًا عن الأهالي المرتادين ستؤتي ثمارها عندما يلتقي الالتزام التجاري بالجهد التسويقي. أما بالنسبة لتنمية العائد المحلي، فيتطلب العناية بجودة المنتجات، وقيمتها، وكيفية تقديمها. وذلك عبر القيام بتوثيق المصدر، وتحسين العرض، وتوفير معلومات عن الصانع والحرفة، وإتاحة خيارات شراء تناسب احتياجات الزوار، وتلامس متطلبات الحياة اليومية لمختلف شرائح المجتمع.
ويكتمل هذا العنصر بحضور رقمي موحد يقدم معلومات محدثة عن الأوقات، والخدمات، والأنشطة، والفعاليات. وتبقى مصداقية هذا الحضور مرتبط بما يجده الزائر على أرض الواقع، مما يجعل دقة المعلومة جزءًا من جودة الخدمة، وقدرة السوق على استقطاب زيارات متكررة، مما يؤدي إلى نقل صورة إيجابية عن السوق، ومن ثم يضاعف من حصيلة الزائرين، ويحافظ في الوقت ذاته على فئة الأهالي المرتادين.
رابعًا: حوكمة التطوير وتكامل المسؤوليات واستدامة التشغيل
يجمع تطوير السوق مصالح واختصاصات تراثية ووقفية وبلدية وتجارية وسياحية، ويحتاج هذا التعدد إلى إفراغه في قالب تنظيمي واضح للتنسيق واتخاذ القرار. وتبدأ الحوكمة بتحديد الجهة المسؤولة عن كل خدمة من الخدمات، وتحديد كيفية التعامل مع المسائل ذات الطبيعة المشتركة، وبيان آلية الرجوع إلى أصحاب المحال في القرارات المؤثرة على أعمالهم. وتبرز في المرحلة القريبة المقبلة- بعد الانتهاء من أعمال التأهيل- أهمية التهيئة للربط المؤسسي لإدارة السوق. ويتطلب بداءةً تحديد الأصول، والمرافق، ومسؤوليات الصيانة، والتزامات المتعاقدين، ومخصصات التشغيل. ويساعد حوكمة هذا الربط في المحافظة على قيمة الإنفاق وتجنب فجوات المسؤولية اثناء سير العمل.
وبالإمكان تنظيم هذه الرابطة المؤسسية عبر وضع خطة مشتركة تستند إلى الاختصاصات القائمة، مع تشكيل لجنة مصغرة للتنسيق والمتابعة، بالشراكة مع ممثلين عن أصحاب المحال والحرفيين؛ حيث من المأمول أن تقوم هذه الإدارة بالكشف المبكر عن المعيقات التي قد تواجه سير منظومة العمل، وإيجاد البدائل الفاعلة والحلول الناجعة لوأد أي إشكاليات في مهدها. أما من حيث توفير الاستدامة المالية للسوق فانه يلزم وضع لائحة مالية لبيان تقدير الكلفة التشغيلية التي يحتاج إليها من صيانة ونظافة وتسويق وإقامة للأنشطة والفعاليات، وتحديد مصادر تمويلها وذلك وفق أسس قانونية ومالية واضحة، وذلك بغية خلق مسار خدماتي يتسم بالديمومة والاستمرار.
وتأسيسًا على ذلك، فإنَّ الأمر يلزم تفعيل مبدأ الشفافية والمساءلة، ومن ثم فلا مناص من إيجاد مؤشرات لقياس الأداء، وذلك عبر تدوين كافة البيانات السوقية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: انتظام فتح المحال، واستمرار توفر منتجات الحرف التقليدية، والتقيد بمواعيد الفتح والاغلاق، وقياس رضا التجار والزوار. وتكمن الغاية من نتائج هذه المؤشرات، حين تُستخدم في إصدار قرارات أو تعاميم، أو مراجعة قرارات نافذة؛ فتعمل على معالجة خدمة متعثرة، أو تطور من نشاط أو فعالية سابقة، أو تعيد توجيه المورد إلى نشاط أثبت جدواه. وبذلك تصبح نتائج القياس أداة لتحسين الأداء، وحماية للتجار وأصحاب المهن، ووسيلة لتصحيح المسار، واستمرار العملية التطويرية.
وصفوة القول؛ يمثل تأهيل سوق بهلاء التاريخي فرصة للولاية لتعزيز الصلة بين إرثها التاريخي، وموردها الاقتصادي، وبنيتها الثقافية، ومستقبلها السياحي. وتتطلب الاستفادة من هذه الفرصة أن تقترن جاهزية المكان بوضوح إدارته وحيوية نشاطه، وأن تعمد الجهة المسؤولة بالمحافظة على هويته، والتواجد المستمر لأصحاب المحال والمهن الحرفية، وتفعيل التسويق الالكتروني والبرامج الترويجية، مع بناء القرارات على مؤشرات قياس دقيقة وواضحة.
وبالبناء على ما تقدم، نوصي الجهات المختصة بدراسة التوصيات الآتية:
* إصدار لائحة تنظيمية متكاملة، تتضمن: تحديد الجهات والأفراد المسؤولين عن إدارة السوق واختصاصاتهم، وكذا تحديد مصادر التمويل الخاصة بصيانة ونظافة السوق وآليات تشغيله، ومواعيد فتح واغلاق السوق، وآليات اتخاذ القرارات ومتابعة تنفيذها.
* إعداد برامج تدريبية لفئة الحرف المهنية اللصيقة بالإرث التاريخي للسوق، وذلك عن طريق حصرها وتقييم الحاجة الفعلية ذات الصلة بالهوية الثقافية والتنوع التجاري للسوق.
* وضع برامج تنسيقية بين السوق والمواقع الأثرية المحيطة به، بغرض تحديد مسار الزيارة للمواطنين القادمين من خارج الولاية أو السياح الأجانب، ونشر تلك البرامج لدى الشركات السياحية.
* تحديد الأنشطة والفعاليات الترفيهية التي تتناسب مع مكانة السوق التاريخية، وذلك عبر وضع برنامج دوري يتم تحديثه وفق معطيات الحركة السوقية.
* توفير منافذ للبيع داخل السوق لأصحاب المهن والباعة الجائلين وفق تنظيم يتناسب مع تركيبة السوق والمساحات الخاصة بالزائرين.
* تفعيل منصات التسويق الالكتروني والترويج السياحي عبر مختلف قنوات التواصل الاجتماعي، وذلك في إطار يظهر مقومات الولاية وبالتنسيق مع الإدارة المسؤولة عن السوق.
** دكتوراة في القانون الدستوري والعلوم السياسية
