جان يعقوب جبور
في الشرق الأوسط، لم تعد السياسة تحتاج إلى كثير من الشرح كي تبدو مُضحكة؛ يكفي أن تراقب بعض مواقف الدول والقوى السياسية لتكتشف أن ما كان يُعتبر بالأمس خطًا أحمر أصبح اليوم وجهة نظر قابلة للتفاوض، وأن من كان يُصنَّف حليفًا استراتيجيًا قد يتحول بين ليلة وضحاها إلى خصم، فيما يصبح الخصم نفسه شريكًا محتمَلًا في ترتيبات جديدة. إنها منطقة لا تسير فيها السياسة دائمًا من المقدمة إلى النتيجة، بل كثيرًا ما تبدأ بالنتيجة ثم تبحث لاحقًا عن المبررات.
المشكلة ليست في تغيّر السياسات بحد ذاته، فالدول بطبيعتها تغيّر حساباتها وفق مصالحها ومتطلبات المرحلة. المشكلة تبدأ عندما يصبح التناقض قاعدة، وعندما يجري تقديم الانقلاب في المواقف باعتباره «حِنكة سياسية»، بينما يُطلب من الشعوب أن تنسى ما قيل بالأمس وأن تتعامل مع الخطاب الجديد باعتباره الحقيقة الوحيدة.
في هذه المنطقة، يمكن للخطاب السياسي أن يبيع الفكرة ونقيضها في اليوم نفسه. الديمقراطية تُرفع شعارًا عندما تخدم المصالح، والاستقرار يصبح أولوية عندما تهدد الفوضى مصالح الحلفاء، وحقوق الإنسان تتحول إلى عنوان رئيسي عندما تكون أداة ضغط، ثم تختفي من القاموس عندما يتعلق الأمر بشريك استراتيجي. أما القانون الدولي، فيُستدعى حينًا بوصفه مرجعية مقدسة، ويُركن جانبًا حين يتعارض مع الحسابات الجيوسياسية. والأكثر إثارة للسخرية أن بعض القوى الكبرى تتحدث عن ضرورة بناء شرق أوسط جديد، بينما ساهمت سياساتها نفسها في إنتاج أزمات متراكمة، من الحروب والانقسامات إلى النزوح والاقتصاد المنهك وصعود التنظيمات المتطرفة. ثم تعود لتقدم نفسها بوصفها الوسيط القادر على معالجة النتائج التي ساهمت في صناعتها.
هنا تظهر «الاستراتيجيات المعاكسة»؛ فبدلًا من أن تؤدي السياسة إلى الاستقرار، يصبح عدم الاستقرار أحيانًا وسيلة لإعادة ترتيب النفوذ. وبدلًا من أن يكون الاقتصاد أداة لتحسين حياة الشعوب، يتحول إلى وسيلة ضغط وعقوبات وحصار ومساومات. وبدلًا من أن تكون التحالفات مبنية على مصالح طويلة الأمد، تتحول إلى شبكات مؤقتة تتغير وفق ميزان القوى. أما بعض القوى الإقليمية، فقد أتقنت بدورها لعبة البراغماتية المتحركة. تحالفات تتبدل، قنوات اتصال تُفتح وتُغلق، خصومات تتحول إلى تفاهمات، وتفاهمات تتحول إلى خصومات، وكل طرف يعلن في كل مرحلة أنه يتحرك وفق "المصلحة الوطنية". ولا بأس، في السياسة، من أن تكون المصلحة الوطنية هي البوصلة؛ لكن السؤال الحقيقي هو: من يحدد هذه المصلحة؟ وهل هي مصلحة الدولة وشعبها، أم مصلحة النُخبة الحاكمة وشبكة التحالفات المرتبطة بها؟
في قلب هذه الفوضى السياسية يقف المواطن العربي مُتفرِّجًا على مسرح لا يفهم قواعده. يسمع عن "النظام الإقليمي الجديد"، و"إعادة رسم خرائط النفوذ"، و"التوازنات الاستراتيجية"، لكنه لا يرى في حياته اليومية سوى ارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات، والبطالة، والهجرة، والخوف من حرب جديدة. يسمع عن الانتصارات السياسية، لكنه لا يعرف لماذا تبقى حياته أكثر صعوبة بعد كل انتصار. والأخطر أن كثرة التناقضات السياسية بدأت تفقد الكلمات نفسها معناها. عندما يصبح كل طرف مُقاوِمًا في نظر أنصاره وإرهابيًا في نظر خصومه، وكل حرب دفاعًا عن النفس عند طرف وعدوانًا عند الطرف الآخر، وكل تدخل خارجي دعمًا للاستقرار إذا جاء من الحليف واحتلالًا إذا جاء من الخصم، فإن المشكلة لا تعود في اختلاف المواقف؛ بل في انهيار المعايير التي يفترض أن تحكم الخطاب السياسي. وهذا ما أشرنا إليه في مقالات سابقة بأنه دلالة على غباءٍ سياسيٍ يؤدي إلى حكامٍ ورؤساءٍ موظفين عند أسيادهم وحكومات تفرق ولا تجمع وأوطان لا تحضن شعوبها.
لقد تحوَّلت المنطقة إلى مساحة واسعة من ازدواجية المعايير. القوى الكبرى تتنافس على النفوذ تحت عناوين مختلفة، والقوى الإقليمية تسعى إلى تثبيت مواقعها، بينما تدفع المجتمعات ثمن هذه المنافسة. وفي كل مرة تندلع أزمة جديدة، تظهر مجموعة جديدة من المصطلحات لتبريرها، وكأن تغيير الاسم يمكن أن يغيّر حقيقة الواقع. لكن السياسة ليست مسابقة في البلاغة، ولا يمكن للاستراتيجيات المعاكسة أن تصنع استقرارًا دائمًا. قد تنجح دولة في كسب جولة، وقد ينجح تحالف في تغيير ميزان القوى، وقد تحقق قوة ما مكسبًا عسكريًا أو سياسيًا، لكن التاريخ أثبت أن تجاهل جذور الأزمات لا يؤدي إلى اختفائها، بل يؤجل انفجارها.
الشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من العقول التي تُفكِّر بمنطق: كيف ننتصر على الآخر؟ بقدر ما يحتاج إلى عقول تسأل: كيف نمنع الجميع من الخسارة؟ ولا يحتاج إلى مزيد من الخطط التي تعيد توزيع النفوذ على الخرائط، بل إلى استراتيجيات تعيد بناء الدول والمؤسسات والاقتصادات وتمنح الشعوب حقها في الأمن والكرامة والاستقرار؛ فالسياسة الضاحكة قد تكون مُسلِّية لبعض الوقت، لكنها تصبح مأساوية عندما تتحول الشعوب إلى جمهور دائم في مسرح العبث السياسي. وعندما تنقلب الأفكار، وتتعاكس الاستراتيجيات، وتتبدل المبادئ وفق مصالح اللحظة (كما يحصل في سوريا ولبنان الآن)، يصبح السؤال الأهم ليس: من انتصر سياسيًا؟ بل: ماذا بقي من الدول، وماذا بقي من الشعوب، وماذا بقي من معنى السياسة نفسها؟
ربما آن الأوان لأن يتوقف الشرق الأوسط عن إدارة أزماته بعقلية إدارة الأزمات، وأن يبدأ بإدارة مصالحه بعقلية بناء المستقبل؛ فالدول لا تُبنى بالمناورات وحدها، والنفوذ لا يصنع شرعية، والقوة لا تنتج استقرارًا دائمًا. أما الاستمرار في تدوير التناقضات، وتسويق الفشل باعتباره انتصارًا، والانقلاب على المواقف باعتباره ذكاءً سياسيًا، فلن يجعل من المنطقة سوى مسرح أكبر لتفتيت مجتمعاتنا وتفكيك أوطاننا والسيطرة على مواردنا التي هي حق شعوبنا بالعيش الكريم على كل المستويات ومشهد أكثر ضحكًا، والثمن دائمًا مع هكذا سياسة دموعًا ودماءً.
