فكرة داخل صندوق مغلق

 

 

 

 

مرفت بنت عبدالعزيز العريمي

 

غالبًا ما يدور في رأسي تساؤل كيف يمكن لمن عجز عن الاستفادة من الموارد المتاحة داخل الصندوق أن يُفكر ويأتي بأفكار خارج الصندوق، يبدو لي أن الأمر أكثر من صعب ويشكل تحديا كبيرا. كمن ينتظر حلول السماء بعد أن استسلم من حلول الأرض.

المسألة أعمق من صندوق فارغ من الحلول، بل هي فكرة خوض تجربة مختلفة بنفس الصندوق ونفس الموارد، لكن بإعادة ترتيب العناصر الموجودة بشكل جديد شكل يخرجنا من منطقة الراحة. هناك مفهوم شائع بأنَّ التفكير داخل الصندوق هو أمر سلبي وتقليدي لكن الواقع في أدبيات علم الإدارة يوجد ما يعرف بالابتكار تحت القيد أو ما يُسمى بالتفكير الإبداعي داخل الصندوق؛ فالأفكار خارج الصندوق عادة ما تتطلب موارد جديدة وخارجية ومكلفة، أما التفكير المبتكر داخل الصندوق يعني إعادة توجيه الموارد المتاحة داخل الصندوق.

هذا يذكرني بتجربة المُعلِّم الكيني بيتر تابيتشي، مُعلِّم العلوم والرياضيات في مدرسة خاصة الذي ترك عمله بمدرسة تتوافر بها كافة الإمكانيات إلى مدرسة معدمة الإمكانيات بقرية بواني في وادي ريفت بكينيا. جاء قراره بعد زيارة للقرية رأى فيها حجم الفقر والمعاناة وتفشي الجوع والتسرب المدرسي، شعر أنه يمكن أن يحدث تغيير عندما لمس طاقة وذكاءً لدى الأطفال تحتاج إلى شيء من التوجيه.

غادر بيتر صندوق الرفاهية إلى صندوق فقير بالموارد. مدرس واحد لكل ثمانية وخمسين طالباً، أما الطلاب فقد كانوا يقطعون 7 كيلومترات يوميًا مشيًا على الأقدام، في أراضٍ وعرة وبيئة جافة.

لم يذهب بيتر كي يُغيِّر البيئة الفقيرة المحيطة أو يجمع التبرعات والموارد الخارجية لتحسين الوضع؛ بل أعاد إدارة الموارد المتاحة إلى استثمار تعليمي. قام المعلم بتحويل راتبه الشخصي إلى المورد المالي لشراء الزي والطعام للطلاب ليُعالج مسألة عدم تركيز الطلاب بسبب الجوع والفقر.

وحول مقهى الإنترنت الوحيد بالقرية من مكان ترفيه إلى "سيرفر تعليمي" يحمَل منه المواد التعليمية التي يستخدمها في الشرح؛ نظرًا لأنَّ بالمدرسة جهاز كمبيوتر واحد بدون إنترنت!

استطاع الطلاب تنفيذ مشروعات علمية في مدرسة تخلو من المختبرات، وقد نجحوا في توليد الكهرباء من نباتات الصبار والعصاريات بطريقة آمنة ورخيصة. ومشروعات أخرى تخدم مجتمعهم. كما شجعهم المعلم على التنافس والمشاركة في المسابقات على مستوى الدولة لتنمية مستوى تقدير الذات. وبالفعل شاركوا في المعرض الوطني للعلوم والهندسة بجهاز قياس المسافات والأجسام للمكفوفين صنعت من القطع إلكترونية ومن بقايا أجهزة مستعملة وحققوا المركز الأول.

وفي عام 2019، فاز بيتر تابيتشي بجائزة أفضل مُعلِّم في العالم واستثمر أموال الجائزة في تأسيس مؤسسة بيتر تابيتشي لدعم وتطوير التعليم المستدام، واستغل الجائزة لتوسيع نطاق تأثيره خارج حدود المدرسة بتعليم المُعلِّمين ومساعدتهم على تصميم موارد تعليمية شاملة تتماشى مع المناهج الحديثة وبناء مجتمعات تعلم، وتطوير البنية التحتية للمدارس المهمشة.

انتقل بيتر من إدارة صندوق تحديات صغير إلى بناء وإدارة المئات من الصناديق التعليمية في كينيا وأفريقيا.

بيتر أكد للعالم أن الصناديق المُعقَّدة المليئة بالتحديات يمكن أن تصنع قصصًا مُلهمة وتُغيِّر مجرى التاريخ وتنقذ حياة الكثير من الفقراء.

أثبت المُعلِّم بيتر تابيتشي أن الصندوق ليس عائقًا، وليست كل الأفكار الجيدة موجودة خارج الصندوق؛ بل إن مجابهة التحديات هي ما تولد الحلول.

بيتر أكد أن الأفكار المبتكرة تخرج من رحم المعاناة لا من الصناديق المريحة، وأن القادة والمُلهمين لا ينمُون في بيئات سهلة؛ بل في تجارب حقيقية صعبة تصقل شخصياتهم.

هذه القصة الملهمة تؤكد أن الأفكار النيرة لا تحتاج إلى بحث خارج الصندوق؛ بل إلى إعادة ترتيب قطع الأحجية الموجودة بالصندوق بطريقة أخرى مختلفة بعيدة عن منطقة الراحة؛ فالعقل البشري لا يبتكر في منطقة الراحة.

إنَّ مهارة التفكير داخل الصندوق أصبحت صعبة علينا كمجتمعات تعاني من عقدة النقص الابتكاري وجاذبية الحلول الخارجية، لا نملك المرونة في المنظومات البيروقراطية، لذلك نفضل أن نتبنى ثقافة الوفرة الوهمية ورفض المطلق للقيد. نحن كمجتمعات نميل إلى حل كل مشكلة بضخ الأموال وجلب شركات عالمية، وإن سعى أحد إلى التفكير داخل الصندوق وإعادة إدارة الموارد المتاحة بطريقة مبتكرة، قد يواجه المساءلة القانونية والمحاسبة بدعوى مخالفة اللوائح المؤسسية؛ مما يقتل أية مبادرة لإعادة ترتيب الموارد.

لا ينقصنا ملهمون ولا موارد؛ فالعقل البشري أثمن مورد، لكن ما ينقصنا أن نسمح بالتفكير المبتكر داخل الصندوق. ما عليك إلّا أن تتخيل كم من مشكلة عالقة يمكننا أن نحلها!

الأكثر قراءة

z