بنك المهارات.. طوق النجاة للمُسرَّحين

 

 

 

 

مرفت بنت عبدالعزيز العريمي

 

في غمرة التحولات الاقتصادية المُتسارعة التي تشهدها السلطنة والعالم وتزامنا مع تنفيذ الخطة الخمسية الحادية عشرة، يقف ملف التوظيف كأولوية وطنية لا تتحمل التأجيل، بينما تبذل الحكومة بمؤسساتها المختلفة جهوداً حثيثة لتوليد فرص العمل وتحسين البيئة الاقتصادية، بخطوات تشريعية وتنظيمية واسعة؛ تجسدت في منظومة الحماية الاجتماعية والأمان الوظيفي، وتنظيم سوق العمل والعمل المرن والحر وإتاحة الجهات الحكومية نحو إسناد مشاريع تخصصية مباشرة للعاملين المستقلين من المواطنين، إضافة إلى مبادرات عمل رقمية وطنية طموحة استقطبت الآلاف من الباحثين عن العمل.

بيد أن هذه المبادرات تظل تواجه تحدي "التشتت الرقمي والجغرافي". وهنا يظهر المتضرر الأكبر: المُسرَّح. فرغم وجود منفعة الأمان الوظيفي المؤقتة، يجد المُسرَّح نفسه في فراغ مهني مُعقد، تائهاً بين منصات التراخيص والمناقصات المتفرقة، دون وجود قناة سريعة تتيح له استغلال خبراته المتراكمة في السوق، لتحقيق دخل إضافي عاجل يسانده في الوفاء بالتزاماته المعيشية والأسرية.

هنا يبرز تساؤل جوهري: هل تكمن الأزمة حقاً في شح الوظائف وقلتها، أم في أدوات إدارتها وقنوات توجيه الموارد البشرية والطاقات الشبابية؟

إنَّ القراءة المتأنية للمشهد تكشف عن مفارقة تستدعي التوقف عندها؛ فبينما يقبع آلاف الباحثين عن عمل في قوائم الانتظار، وتواجه فئة المسرحين من القطاع الخاص تحدي الفقدان المفاجئ للاستقرار المالي نتيجة انتهاء المشاريع المؤقتة أو تقلبات السوق، تنفق وحدات القطاعين الحكومي والخاص ملايين الريالات سنوياً لاستقطاب شركات خارجية لتنفيذ مهام تخصصية مؤقتة (كالبرمجة، والترجمة والتصميم، والبحوث والدراسات والاستشارات) وغيرها من الأعمال المؤقتة.

هذا الهدر المزدوج في الكفاءات والسيولة يدعونا لتجاوز الصيغ التقليدية في معالجة مشكلة الشواغر الوظيفية، والالتفات نحو "اقتصاد العمل المرن والجزئي، الذي يكتسح العالم اليوم بأسواق تتجاوز قيمتها 670 مليار دولار أمريكي.

من هنا، تنبع الحاجة الملحة إلى صياغة مشروع وطني مبتكر يمكن تسميته "بنك المهارات الوطني المرن"؛ مظلة رقمية حكومية موحدة تندمج تحتها كافة الجهود المبعثرة، وتمنح فيه الأولوية القصوى للمُسرَّحين من العمل والباحثين عنه. منصة تُدار بالهوية الرقمية، يمكن أن يُفرض بموجبها قانون على كل وحدة حكومية وخاصة من فئة الكبيرة والمتوسطة تخصيص "حصة إلزامية" (لا تقل عن 10%) من أعمالها الاستشارية والميدانية المؤقتة لتُطرح حصراً عبر هذا البنك.

إنَّ هذه المنصة المقترحة لن تكون مجرد وسيط تكنولوجي، بل شبكة أمان اقتصادي واجتماعي تُرمم تصدعات ملف التسريح؛ حيث يتم ربطه بـ"نظام حماية الأجور" لضمان صرف المستحقات، واحتساب ساعات العمل المرن كامتداد لخبراتهم الموثقة لدى منظومة الحماية الاجتماعية لتسهيل عودتهم السريعة إلى الوظائف الدائمة عوائد هذا التوجه ستتجاوز توفير الدخل؛ لتسهم مباشرة في تجفيف منابع التجارة المستترة، وإبقاء رأس المال داخل الاقتصاد المحلي.

إن "بنك المهارات الوطني" لن يقتصر على النخبة التكنولوجية فحسب، بل يمتد ليشكل سوقاً متكاملاً يتسع للمهندس والمترجم وصناع المحتوى والباحثين والمحاسبين والمدققين والمستشارين في تخصصات الهندسة والصحة والبيئة، والمبرمج ومصمم الجرافيك عن بُعد، وصولاً إلى الفني الميداني المتخصص في الصيانة، وفرق التفتيش والمراقبة الفنية وموظف خدمة العملاء بالساعة؛ وإدارة الفعاليات وخدمات الشحن وسلاسل الإمداد مما يضمن توزيعاً عادلاً لفرص العمل والدخل البديل لكافة شرائح المجتمع والمسرحين.

إننا لا نعاني من قلة الكفاءات، بل من غياب المظلة التي تجمعها. وبناء "بنك المهارات الوطني" ليس ترفاً تقنياً، بل هو ضرورة استراتيجية لحماية استقرار الأسر العُمانية وتحويل طاقات الشباب والمُسرَّحين إلى محرك دفع يومي للاقتصاد العُماني المتجدد؛ فالأفكار والتشريعات موجودة، وما نحتاجه اليوم هو قرار يوجه نحو هدف وطني واحد.

الأكثر قراءة

z