عباس الزدجالي
لم يسمِّ معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية العُماني، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مقاله المنشور في صحيفة «فايننشال تايمز»، ولم يسمِّ دولة بعينها حين تحدث عن القوى الكبرى التي تتصرف دون مساءلة. لكن اختيار الكلمات وتوقيت المقال وربطه المباشر بأزمة مضيق هرمز يجعل من الصعب قراءة النص بمعزل عن الحرب والتصعيد الأمريكي- الإيراني وما رافقهما من تهديدات وضغوط سياسية واقتصادية.
المقال في جوهره ليس دفاعًا عن الدبلوماسية العُمانية فحسب، بل عن فكرة أوسع: أن القوة، مهما بلغت، لا تمنح صاحبها حق تجاوز القانون الدولي أو فرض إرادته على الدول الأصغر.
ويبدأ السيد بدر من تشخيص واضح لحالة العالم؛ فيتحدث عن «ترسيخ الاحتلال»، وتزايد استخدام «الاغتيال والاختطاف كأداتين من أدوات السياسة»، والهجمات المتهورة على المدنيين، والازدراء العلني لمؤسسات مثل الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية. ويحذر من أن ذلك يهدد بالعودة إلى عصر كانت فيه القوى الكبرى تستطيع التصرف دون مساءلة، ولكن هذه المرة في عالم يمتلك أسلحة الدمار الشامل.
وتصبح عباراته أكثر حدة عندما يتحدث عن ميل بعض قادة العالم إلى الاعتقاد بأنهم قادرون على ممارسة الدبلوماسية بأنفسهم من دون الدبلوماسيين، ثم لا يجدون لتحقيق أهدافهم سوى ما وصفه بـ«دبلوماسية الزوارق الحربية»، أو نسختها الحديثة المتمثلة في استخدام القوة الاقتصادية لـ«إخضاع شعوب بأكملها»، أملًا في «تغيير النظام» وتنصيب «إدارة تابعة ومطيعة».
هذه ليست مفردات معتادة في الخطاب الدبلوماسي العُماني الهادئ.
والوزير لا يقول إن المقصود بها ترامب أو الولايات المتحدة، ولذلك لا ينبغي أن ننسب إليه ما لم يقله. لكن في السياق السياسي الراهن يصعب تجاهل التقاطع بين هذا الوصف وبين استخدام القوة العسكرية والعقوبات والضغوط الاقتصادية وسيلة لتحقيق الأهداف السياسية.
ثم يطرح المقال السؤال الذي يعني الدول الصغيرة مباشرة: كيف تتصرف عندما تبدأ الدول الأكبر في تجاهل القواعد التي كانت تقيد استخدامها للقوة؟
هنا تظهر فلسفة السياسة الخارجية العُمانية بوضوح؛ فالجواب ليس البحث عن قوة أكبر للاحتماء بها، ولا الانضمام إلى محور في مواجهة آخر، وإنما الإصرار على القانون الدولي والدبلوماسية والحوار؛ فالقواعد الدولية، كما يرى السيد بدر، وُجدت لحماية الغالبية العظمى من سكان العالم، وليس هذا هو الوقت المناسب للتخلي عن مبدأ أن القانون ينبغي أن يُقيِّد الاستخدام غير المشروع للقوة.
وهذا يقود مباشرة إلى هرمز؛ حيث يكشف السيد بدر أن أحد أهم محاور الدبلوماسية العُمانية خلال الأشهر الماضية كان السعي إلى اتفاق يعيد حرية الملاحة عبر مضيق هرمز. ويقر بأن المفاوضات شديدة التعقيد وتجري تحت تهديد دائم بعودة الحرب، ثم يقول العبارة الأكثر دلالة: «لم يتم التوصل إلى حل حتى الآن. لكننا لن ننسحب».
إنها جملة قصيرة، لكنها تقول الكثير؛ فمسقط تعترف بأن الوساطة لم تحقق هدفها حتى الآن، لكنها ترفض اعتبار تعثر المفاوضات نهاية للدبلوماسية. والقضية، كما يوضح الوزير، لا تتعلق بالمضيق وحده؛ فما هو على المحك أيضًا فكرة أن الدول تستطيع حل خلافاتها بالحوار بدلًا من الحرب.
ثم يحدد 3 أهداف للتحرك العُماني: حماية السيادة العُمانية وأمن المياه الإقليمية، وحماية مصالح المجتمع الدولي من استمرار إغلاق المضيق، وتأكيد مركزية القانون الدولي.
وهنا يصبح الموقف أكثر من مجرد وساطة بين واشنطن وطهران؛ فعُمان ليست وسيطًا يقف خارج الأزمة؛ إنها دولة مُشاطِئة للمضيق، ومياهها وأمنها وسيادتها ومصالحها تقع في قلبها.
ولعل أهم ما يقدمه المقال فكريًا هو تعريف السيد بدر لمفهوم «الحياد البنّاء». فالحياد العُماني، كما يشرحه، ليس صمتًا ولا وقوفًا في منتصف المسافة بين طرفين مهما كانت أفعالهما، بل يقوم على الحوار مع الجميع والتمسك في الوقت نفسه بالقانون الدولي، باعتباره خط دفاع أساسيًا للدول الصغيرة في عالم تتفاوت فيه موازين القوة.
واللافت أن عددًا من قراء «فايننشال تايمز» التقطوا هذه الرسالة؛ فقد كتب أحدهم: «انعدام احترام القانون ليس مبررًا للتخلي عنه، بل يستدعي المطالبة الثابتة، بل والعنيدة تقريبًا، بالتمسك به.» وعلّق آخر على إشارة الوزير إلى «بعض قادة العالم» متسائلًا بسخرية: «هلا أخبرتنا يا سيد البوسعيدي من يكون هؤلاء تحديدًا؟»، في إشارة واضحة إلى أن القارئ يستطيع أن يستنتج بنفسه من يعنيهم النقد.
قارئ آخر وصف كلمات الوزير بأنها «حكيمة»، وإن أبدى خشيته من أن الدبلوماسية قد تواجه عالمًا يزداد اضطرابًا وقوة، فيما ذهب تعليق آخر أبعد من ذلك بالقول إن «عُمان تستحق جائزة نوبل للسلام لمحاولاتها إحلال السلام والاستقرار في الشرق الأوسط»، مشيدًا باستمرارها في العمل مع جميع الأطراف رغم التحديات.
وفي خضم ذلك كله تبرز صورة صغيرة رسمها السيد بدر في مقاله، لكنها ربما تختصر فلسفته بأكملها: الدبلوماسي الذي يظل على الطاولة حتى عندما يبدو أن كل الأبواب أُغلقت، ثم يرفع سماعة الهاتف مرة أخرى ويقترح سبيلًا آخر يدفع الحوار ولو خطوة واحدة إلى الأمام.
وهنا تكمن الرسالة العُمانية: الهاتف لا المدفع!
الحوار لا الإملاء، والقانون لا منطق القوة، والبقاء على طاولة المفاوضات مهما طال الطريق.
