إعادة هندسة التعليم (1- 3)

 

◄ من أمواج المحيط الأحمر إلى ضفاف المحيط الأزرق

 

د. عبدالله بن سليمان المفرجي

يا صاحبي، تكأكأ خطى المتعلمون في فصولهم الدراسية ومدرجات جامعاتهم العريقة المتميزة، وتدبدبوا بين جدرانها الجميلة الأنيقة، وتلهوسوا في مناهجهم المتشعبة، وتقعقعوا في موادهم المتنوعة، وتغرغروا بمعارف يحتاجون إلى صياغتها في سياقات تنبض بالحياة والواقعية، بين أمواج استراتيجية المحيط الأحمر وضفاف استراتيجية المحيط الأزرق، كأنهم في لجج من العلوم وفي زخم من المعارف يتخبطون، لا يهتدون إلى شاطئ يقصون إليه بأمان، ولا يجدون مرسى تطمئن إليه قلوبهم وتهوى إليه أفئدتهم، كأنهم في لوحة سريانية، في فيلم نجاة من الكوارث.

إن المشهد التربوي الذي نعيشه اليوم كالمرآة الصافية تعكس ما في نفوسنا من عزائم وآمال، وما في عقولنا من تصورات ورؤى قيمة، كأن الأيام قد أوفت على أمرها، وبات التعليم بين أيدينا كالدرة المصقولة في كف الصانع الخبير، كلما قلبها بدا له فيها معنى جديد، وكلما دقق النظر فيها عاين خبايا لم يكن يظنها من قبل، فينقلب إليه البصر خاسئًا، وهذا هو شأن الحياة التي لا تقف عند حد، ولا تتوقف عند نقطة، بل هي تدفق مستمر دائم كجريان الماء في نهر لا ينضب، ومعين لا يجف، وتجدد دائم كتجدد الفصول في دورة لا تتوقف، وسير حثيث نحو آفاق أرحب وأوسع، وإنما يتجلى جمال الحياة في قدرتها على التجدد، كما يتجلى جمال التعليم في قدرته على التكيف مع متغيرات العصر ومواكبة مستجدات الزمان، دون أن يفقد روحه الأصيلة، أو يتخلى عن جوهره النقي، الصافي، الزلال.

فما نحن عليه اليوم ليس سوى نتاج لما صنعته أيدينا، وما سوف سنكون عليه غدًا هو ما نبنيه اليوم بأفكارنا وعزائمنا، فالحاضر منصة للانطلاق لا ساحة للتوقف، وفرصة للبناء لا مجالًا للانتقاد، فمن أيقن أن الطريق طويل فليبادر الخطى، ويسرج القناديل، ويلبس خوذته، ومن علم أن الغاية شامخة فليشد العزم، ويمتطي صهوة جواده، ويترجّل.. قبلَ أن يُدرك الغَاية! متجاوزا معه حدود الزمان والمكان فلا حدود توقفنا ولا مكان يحصرنا... محلّقين منسجمين متناغمين متآلفين فإن العمر قصير، والوقت يمضي، والدنيا سريعة، وما يبقى إلا الأثر الصالح، وما يخلد إلا العمل النافع، وما ينفع إلا الجد والمثابرة.

إن المتعلم حين يواجه معلومة جديدة، فشأنه كالنحلة التي تقع على زهرة متفتحة جميلة فلا تأخذ منها ما تشاء فحسب، بل تعيد صياغته في عسلها الخاص الزلال الذي يصبح غذاءً وشفاء للناس، فإنه لا يستقبل المعلومة كما هي فقط، بل يمررها عبر مرشحات عقله وخبراته السابقة، فيقبل منها ما يتناسب مع بنيته المعرفية وقيمه المجتمعية، ويرفض ما يتعارض معها، أو يعيد تشكيلها لتتلاءم مع ما لديه، وهذه حقيقة إنسانية لا مفر منها، وهي ليست نقدًا للحاضر ولا تغنيًا بالماضي، بل هي إقرار بطبيعة العقل البشري الذي يبني معرفته بنفسه، ويتفاعل مع العالم من حوله من خلال عدسته الخاصة به، وهذا ما يجعل التعليم عملية إبداعية  تفاعلية لا عملية نقل ميكانيكية، ويجعل المعلم فنانًا يحرك المشاعر ويشعل الفضول، لا مجرد ناقل للمعلومات يؤدي دورًا آليًا مرسنًا مسرجًا.

وحين ندرك هذه الحقيقة المدهشة، ندرك أن مهمتنا ليست في ملء عقول المتعلمين بالمعلومات فحسب، بل في إيقاد نار الفضول والشغف في قلوبهم، ونفوسهم، وفتح آفاق التساؤل والفضول في عقولهم، وتمكينهم من أدوات بناء المعرفة بأنفسهم، كأَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ، كأن المعلم الحاذق بستاني يزرع البذور النادرة  في تربة خصبة منعشة، ثم يتركها تنمو في ضوء الشمس ونسيم الهواء، و يسقيها من الماء الفرات الرقراق، فيأتيه النبت بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، في أطيب حلة ، وأزهى منظر، وأجمل ثمر، وهذا التصور هو ما يحول الفصل الدراسي من مجرد غرفة إلى مختبر حياة، ومن فضاء بارد إلى بيئة تنبض بالطاقات والحوية المتجددة، وليس هذا الكلام تغزلًا بالشكليات التي لا تغني عن الجوهر النفيسة، ولا انصرافًا عن المعاني التي تبني الإنسان، بل هو دعوة صادقة إلى تأمل واقعنا بروح من الإنصاف، والبحث عن سبل لتحسينه والارتقاء به؛ فالتعليم المتجدد هو الذي يضع المتعلم في قلب العملية التعلمية، مندهشا فرحا متفاعلا سعيدا، ويجعل من رضاه وتقدمه مؤشرًا أساسيًا للنجاح، وهذا ما يحول المؤسسة التعليمية إلى منارة تنير الطريق، وترفع مستوى الدافعية والشغف بالعلم والمعرفة، لا مجرد مبنى جامد يضيق بأهله.

وتبرز هنا أهمية وضوح الأهداف التعلمية التي تشكل البوصلة التي توجه مسيرة المتعلم والمعلم معًا، فهي ليست مجرد جمل أنيقة ومقلة وحاجبًا مزججا... وفاحمًا ومرسنًا، تكتب في خطط الدروس، بل هي نبراس يضيء الطريق للمتعلم فيعرف أين هو وإلى أين يتجه، وتمنح المعلم معيارًا يقيس به مدى تحقق ما يصبو إليه، وحين تكون الأهداف واضحة ومحددة وقابلة للقياس، فإنها تحول العملية التعليمية من رحلة في الضباب إلى رحلة محكمة المسارات، وفي المدرسة التي تسمو بهمتها، يجد المعلم نفسه أمام فرصة ذهبية ليصيغ أهدافًا تراعي تمايز المتعلمين، فليس كل العقول تشرق في ضوء واحد، ولا كل النفوس تنمو في تربة متماثلة.

وهنا تبرز ضرورة أن تكون الأهداف مرنة كفاية لتحتضن الفروق الفردية، فكل متعلم له سرعته الخاصة في الفهم، وله أسلوبه المميز في معالجة المعلومات، وله اهتماماته التي تحفزه وتشعل في قلبه جذوة الفضول، والمتعلم حين يشعر أن أهداف التعلم مصممة لتتناسب مع قدراته وإمكاناته، فإنه يندفع نحوها بشغف المتيم، ويقطع المسافات نحوها بعزيمة الساري، وهذا ما يخلق ذلك التفاعل الكيميائي الفريد الذي يتحول فيه الفصل الدراسي من مجرد غرفة إلى مختبر حياة، ومن فضاء بارد إلى بيئة تنبض بالطاقات المتجددة، كأن المتعلمين في هذه البيئة كالعناصر الكيميائية تتفاعل مع بعضها البعض، وينتج عن هذا التفاعل مركبات جديدة لم تكن موجودة من قبل، وهذا هو جوهر التعليم المتجدد الذي يبني الإنسان في كل أبعاده، وينمي قدراته، ويطلق طاقاته، ويجعله قادرًا على مواجهة تحديات الحياة بثقة واقتدار.

وتأتي الفروق الفردية بين المتعلمين كواحدة من الحقائق الراسخة التي لا ينبغي تجاهلها في الفصول الدراسية، فهي ليست عيبًا يجب إخفاؤه، بل هي ثروة يجب استثمارها والاستفادة منها وتقويمها، والتنوع في أساليب التعلم هو الذي يثري العملية التعليمية ويجعلها أكثر حيوية ونشاطا، والمتعلم حين يشعر أن تعليمه يراعي خصائصه ويستجيب لاحتياجاته اليومية، يزداد ارتباطه بالتعلم وتعلقه به، وتزداد دافعيته الداخلية للاستمرار والمثابرة، وهذا ما يفسر أهمية تنويع استراتيجيات التدريس وأساليب التقويم، فلا نعتمد على أسلوب واحد يناسب البعض دون الآخرين، بل نقدم بدائل متعددة تتيح لكل متعلم أن يجد ما يناسبه، وهذا يستدعي من المعلم أن يكون مرنًا في تعامله، وأن يمتلك أدوات تشخيصية تمكنه من التعرف على أنماط تعلم طلابه، وأن يصمم مواقف تعلمية تتنوع بين السمعي والبصري والحركي، وتجمع بين العمل الفردي والجماعي، وتوازن بين الأنشطة المنظمة والتعلم الحر، وهذا هو جوهر التعليم الشامل الذي يضع المتعلم في مركز اهتمامه، ويجعل من تنمية قدراته غايته الأولى، ويراعي اختلافاته في تصميم كل عنصر من عناصر العملية التعليمية، وأركان المقرر الدراسي الخمسة المترابطة تضمن بناء وتنفيذ العملية التعليمية بنجاح: الأهداف التعليمية، والمحتوى الدراسي، وطرائق التدريس، والأنشطة والوسائل، والتقويم، وهذه الأركان ليست عناصر منفصلة تعمل بمعزل عن بعضها، بل هي كالخيوط في نسيج واحد، يشد بعضها بعضًا، ويتكامل بعضها مع بعض، فالهدف التعليمي هو البوصلة التي تحدد الاتجاه، والمحتوى الدراسي هو المادة الخام التي تشكل جوهر التعلم، وطرائق التدريس هي السبل والوسائل التي يوصل بها المحتوى إلى المتعلم، والأنشطة والوسائل هي الأدوات المعينة التي تجعل التعلم أكثر فعالية وتشويقًا، والتقويم هو الميزان الذي يقيس مدى تحقق الأهداف، وأي خلل في أحد هذه الأركان يؤثر في باقي الأركان، ويخل بالعملية التعليمية برمتها.

ولذلك ينبغي للمعلم أن يكون واعيًا بهذه التكاملية، وأن يصمم مقرره الدراسي في ضوء هذه الرؤية المتكاملة، فلا يغلب هدفًا على حساب آخر، ولا يهمل نشاطًا دون مبرر، ولا يستخدم وسيلة لا تخدم المحتوى؛ فهذه الأركان في تكاملها وتعاضدها هي ما يخلق ذلك التفاعل الكيميائي العجيب في الفصل الدراسي، ويجعل من التعلم تجربة تفاعلية ممتعة متكاملة الأبعاد، شاملة الجوانب، غنية بالإثارة والتشويق، وهذا هو عين التفنن في البناء، أي الإتقان والإحكام، لا العشوائية ولا الارتجال، وهذا هو السبيل الذي يخرج التعليم من ضيق أمواج المحيط الأحمر إلى فسيح ضفاف المحيط الأزرق.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z