أبواب المدارس تُفتح.. وأحلام الغد تولد

 

 

 

 

أحمد بن عبدالعزيز العوضي

في عُماننا الحبيبة، لا يشبه صباح المدرسة أي صباح آخر؛ فقبل أن يقرع الجرس، تكون الحياة قد بدأت مبكرًا في البيوت والشوارع، وتكون الحقائب قد حملت معها أحلامًا صغيرة وطموحاتٍ كبيرة، ودعواتِ أمهاتٍ وآباء بأن يكون عامًا دراسيًا حافلًا بالنجاح والتميّز.

العودة إلى المدارس ليست مجرد عودة إلى المقاعد والكتب والواجبات؛ بل هي عودة للحياة والأمل والطموح والمسؤولية. إنها لحظة تتجدد فيها الأمنيات، وتفتح فيها صفحات جديدة من الجد والاجتهاد، ويعود معها ذلك المشهد الجميل الذي يبعث في الوطن روحًا متجددة؛ أطفال وشباب يتجهون إلى مدارسهم، ومعهم مستقبل عُمان الذي نراهن عليه ونعتز به.

ومنذ فجر النهضة العُمانية الحديثة، كان التعليم في وجدان عُمان مشروعًا لبناء الإنسان قبل أن يكون مشروعًا لبناء المدارس. فقد أدرك المغفور له السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- أن النهضة الحقيقية تبدأ من الإنسان، وأن العلم لا ينفصل عن التربية، وأن المدرسة لا ينبغي أن تصنع طالبًا متفوقًا فحسب، وإنما إنسانًا صالحًا يحمل العلم والقيم والمسؤولية.

وفي خطابه بمناسبة العيد الوطني الثاني عام 1972، وجّه السلطان الراحل القائمين على التعليم إلى أن يكونوا «هم القدوة والمثال الطيب لتلاميذهم»، وأن يغرسوا في نفوس النشء تعاليم الدين والأخلاق الفاضلة والروح الوطنية، ليكونوا أجيالًا قادرة على الاضطلاع بمسؤولياتها.

كانت تلك الكلمات المبكرة تختصر فلسفة عميقة في التربية: أن السلوك يعلَّم بالقدوة قبل الكتاب، وأن القيم تغرس بالممارسة قبل المواعظ، وأن المدرسة شريك في صناعة الإنسان قبل صناعة الدرجات.

ولم يكن التعليم في فكر السلطان قابوس مشروعًا مؤقتًا، بل ركيزة راسخة للنهضة؛ فقد قال في كلمة بمناسبة مرور ستين عامًا على تأسيس منظمة اليونسكو عام 2005: «إننا نولي التعليم جل اهتمامنا»، مؤكدًا أهمية تطويره وتحديثه وتكوين أجيال متعلمة قادرة على المشاركة في التنمية والتعامل مع المتغيرات بكفاءة واقتدار.

واليوم، تمضي سلطنة عُمان في عهد النهضة المتجددة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- وهي تحمل الإرث ذاته، وتفتح آفاقًا جديدة للتعليم والمعرفة وبناء الإنسان.

ففي خطابه السامي في 23 فبراير 2020، أكد جلالته- أيده الله- أن «الاهتمام بقطاع التعليم بمختلف أنواعه ومستوياته» سيكون في «سلم أولوياتنا الوطنية»، باعتباره الأساس الذي سيتمكن من خلاله أبناء الوطن من الإسهام في بناء متطلبات المرحلة المقبلة.

ولأن أبناءنا هم محور المستقبل، قال جلالته في الخطاب ذاته: «إن الشباب هم ثروة الأمم وموردها الذي لا ينضب»؛ وهي رؤية تجعل من كل طالب اليوم مشروع إنسان قادر على المشاركة في بناء عُمان الغد.

لكن التعليم الذي نريده لأبنائنا ليس علمًا بلا روح، ولا معرفة بلا أخلاق؛ فالقيمة الحقيقية للمدرسة أن تخرج إنسانًا يعرف، ويفكر، ويحترم، ويتحمل المسؤولية، ويعتز بوطنه وهويته، ويحسن التعامل مع الآخرين.

ومن هنا تأتي أهمية حديث جلالة السلطان هيثم ـ حفظه الله ورعاه ـ عن ترسيخ الهوية الوطنية ومواجهة التحديات التي تمس المنظومة الأخلاقية والثقافية، مؤكدًا ضرورة تعزيز قدرة المجتمع على مواجهتها.

وهذه مسؤولية لا تستطيع المدرسة أن تحملها وحدها؛ فالبيت هو المدرسة الأولى، والأسرة هي الحاضنة الأولى للقيم والسلوك، والمعلم هو القدوة التي يراها الطالب كل يوم، والمجتمع هو البيئة التي يختبر فيها أبناؤنا ما تعلموه. وكلما تكاملت هذه الأدوار، أصبح التعليم أكثر قدرة على بناء شخصية متوازنة، تجمع بين العلم والأخلاق، وبين الطموح والمسؤولية.

ولذلك.. فإن الشراكة بين البيت والمدرسة ليست ترفًا تربويًا، بل مفتاحًا حقيقيًا لنجاح العام الدراسي؛ فمتابعة الأسرة، وتواصلها مع المدرسة، واحترامها لدور المعلم، واهتمامها بسلوك أبنائها وانضباطهم، كلها عوامل لا تقل أهمية عن التحصيل الدراسي.

ومع عودة المدارس، تبرز مسؤولية أخرى لا تقل أهمية؛ إنها مسؤولية سائقي الحافلات المدرسية؛ فالسائق لا يقود حافلة فحسب، وإنما يحمل أمانة غالية، ويجلس خلف مقود مركبة تحمل أغلى ما في بيوتنا: أبناءنا وبناتنا. والالتزام بالسرعة المحددة، والانتباه للطريق، وعدم استخدام الهاتف أثناء القيادة، والتأكد من صعود الطلبة ونزولهم بأمان، والتعامل معهم بالصبر والرحمة والمسؤولية، ليست مجرد أنظمة مرورية؛ إنها أمانة إنسانية ووطنية.

وفي المقابل، تقع على الأسرة والمدرسة مسؤولية تعليم أبنائنا قواعد السلامة، واحترام السائق، والالتزام بالجلوس الآمن داخل الحافلة، وعدم العبث أو التشويش أثناء الرحلة؛ فقد يبدأ اليوم الدراسي عند باب المدرسة، لكنه يبدأ قبل ذلك بكثير؛ يبدأ في البيت، وفي الطريق، وفي الحافلة، وفي الطريقة التي يتعامل بها الأب مع ابنه، والأم مع ابنتها، والمعلم مع طلبته، والسائق مع الأطفال الذين اؤتمن عليهم.

وقبل أن يقرع جرس المدرسة، ينبغي أن يقرع في داخلنا جرس المسؤولية. مسؤولية الأسرة في التربية والمتابعة، ومسؤولية المدرسة في التعليم والاحتواء، ومسؤولية المعلم في القدوة، ومسؤولية السائق في الأمان، ومسؤولية المجتمع في حماية أبنائه؛ فكل حقيبة مدرسية تحمل حلمًا، وكل طالب يحمل مستقبلًا، وكل صباح دراسي هو خطوة جديدة في طريق عُمان نحو غد أكثر علمًا ووعيًا وقيمًا.

إنَّ أجمل ما يمكن أن نفعله مع بداية هذا العام الدراسي أن نعيد تعريف النجاح؛ فلا يكون النجاح في الدرجات وحدها، وإنما في إنسانٍ يتعلم ليحسن، ويعرف ليعمل، وينجح ليخدم وطنه، ويحمل في قلبه أخلاق عُمان وقيمها وهويتها.

وهكذا يظل جرس المدرسة أكثر من صوت يعلن بداية الحصة؛ إنه صوتٌ يعلن بداية رحلة جديدة في بناء الإنسان، رحلة بدأت مع نهضة عُمان المباركة، وتتواصل اليوم في ظل النهضة المتجددة، نحو وطنٍ يضع العلم في العقول، والقيم في القلوب، والمسؤولية في السلوك.

حفظ الله أبناءنا وبناتنا، ومعلميهم ومعلماتهم، وكل من يحمل أمانتهم، وحفظ عُمان وسلطانها وشعبها، وكتب عامًا دراسيًا آمنًا موفقًا، يزهر فيه العلم، وتسمو فيه الأخلاق، وتكبر فيه الأحلام.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z