د. محمد بن إبراهيم الزدجالي **
مع فتح أبواب العام الدراسي الجديد، يعود آلاف الطلبة إلى مقاعد العلم في مختلف محافظات سلطنة عمان، وتستعيد المدارس حركتها اليومية المعتادة، ومع هذه العودة المباركة، تتجدد المسؤوليات الوطنية والإنسانية تجاه سلامة أبنائنا وبناتنا، ولعلّ أبرزها وأكثرها مساسًا بيومهم الدراسي تلك الرحلة اليومية التي تبدأ من أعتاب المنزل وتستقر في أروقة المدرسة، ثم تعود عكسًا في نهاية اليوم.
قد تبدو الحافلة المدرسية في ظاهرها مجرد تفصيل اعتيادي من تفاصيل المشهد المدرسي، غير أن سلامة الطلبة داخلها ليست خيارًا ثانويًا ولا مسألة هامشية، بل هي مسؤولية قانونية وأخلاقية تستوجب أعلى درجات اليقظة والجاهزية من كافة الأطراف المعنية.
ولم يكن المُشرِّع العماني غائبًا عن أبعاد هذه المسؤولية؛ إذ حظي هذا الحق برعاية تشريعية صريحة في قانون التعليم المدرسي الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (31/2023)، والذي نصّت المادة (44) في بندها (هـ) بوضوح على حق الطالب في "الحصول على خدمة النقل المدرسي الآمن من مقر الإقامة إلى المدرسة، وبالعكس".
وتجسيدًا لهذا النص السامي، جاءت الأطر التنفيذية المكملة لتضع السلامة في حيز التطبيق؛ حيث نظمت لائحة وسائل النقل المدرسية الصادرة بالقرار الوزاري رقم (58/2020) والمعدلة بالقرار الوزاري رقم (190/2021) كافة الضوابط الفنية والإدارية الكفيلة بتوفير بيئة نقل آمنة ومتكاملة.
وفي هذا الجانب، تتواصل جهود وزارة التعليم في متابعة وتفعيل هذه الاشتراطات ميدانيًا، وكان آخرها التعميم الموجه لعموم المديريات التعليمية بالمحافظات لمتابعة تطبيق إجراءات الأمن والسلامة في وسائل النقل المدرسية، وشملت الإجراءات الملزمة خطوات تقنية وتوعوية حاسمة، كتركيب زر إيقاف المحرك في الجزء الخلفي من داخل الحافلة لضمان تفقدها بالكامل قبل إغلاقها، إضافة إلى وضع ملصق توعوي لبروتوكول الأمن والسلامة على جانبي الحافلة.
غير أن الواقع يؤكد أن المنظومة التشريعية والتقنيات الحديثة -على أهميتها- لا تكفي وحدها لتحقيق السلامة الشاملة؛ فالسلامة المدرسية هي نتاج شراكة مجتمعية تتوزع فيها الأدوار بدقة من أبرزها:
• المدرسة: عبر المتابعة المستمرة والتنظيم اليومي لعملية صعود وهبوط الطلبة.
• مالك الحافلة وسائقها: بالالتزام التام بالصيانة الدورية، والقيادة المتزنة، والتأكد المباشر من خلو الحافلة بعد كل رحلة.
• الأسرة: من خلال غرس ثقافة السلامة لدى الأبناء وتوعيتهم بقواعد السلوك الآمن داخل الحافلة وفي حالات الطوارئ.
إنَّ الالتزام باشتراطات السلامة ليس مجرد معاملة إدارية أو إجراء شكلي، بل هو تجسيد عملي وأمين لحق أصيل مكفول للطالب، فأبناؤنا ليسوا مجرد ركاب، بل هم أمانة وطن لا تحتمل التهاون أو الغفلة.
ومع تباشير العام الدراسي الجديد، نسأل الله أن يجعله عامًا حافلًا بالعطاء والنجاح، وأن تُحاط رحلات أبنائنا بالسلامة والأمان؛ فسلامة الطالب لا تبدأ بعد وقوع الخطر، بل هي مسؤولية واعية تبدأ قبل أن تدور عجلة الحافلة.
** محامٍ ورئيس جمعية المحامين العُمانيين سابقًا
