وقفة.. الأمن مسؤولية والوحدة الوطنية ضمانة

بقلم: عبدالنبي الشعلة

في ظل الأوضاع الأمنية الدقيقة التي تمر بها منطقتنا، وما كشفته التطورات الأخيرة من طبيعة النظام الإيراني وأطماعه وأسلوب تعامله مع دول الجوار، يصبح من واجبنا أن نتوقف أمام جدل يقلق بعض الأوساط الوطنية في البحرين؛ يتعلق بالإجراءات الأمنية والوقائية التي تُتخذ وفق القانون، وبخشية نفر قليل من المواطنين الشيعة من أن تكون موجهة إليهم بسبب انتمائهم المذهبي.

ومن الضروري هنا تأكيد حقيقة أساسية: حماية أمن الوطن مسؤولية لا تحتمل التهاون، واتخاذ التدابير الوقائية والاستباقية يصبح أمرًا مشروعًا ومطلوبًا عندما تكون الأخطار حقيقية ومباشرة. لكن من الضروري، في الوقت نفسه، ألا نسمح بمحاولات التشكيك وبث الانطباع بأن مكونًا وطنيًا بأكمله يُحمَّل مسؤولية تصرفات أفراد، وألا تتحول المواجهة مع مشروع سياسي خارجي إلى حاجز نفسي بين أبناء الوطن الواحد.

لقد كانت البحرين من أوائل الدول التي استهدفها النظام الإيراني بعد عام 1979 ضمن مشروع «تصدير الثورة». وقد ظن القائمون على ذلك المشروع أن تنوع النسيج الاجتماعي البحريني، ووجود نسبة كبيرة من المواطنين الشيعة، يوفران مدخلًا لاختراق المجتمع والتأثير في استقراره ووحدته.

لكنهم تجاهلوا حقيقة تاريخية راسخة، هي أن أبناء البحرين، بمختلف مذاهبهم وفئاتهم، رفضوا من قبل الادعاءات الإيرانية، وأكدوا عروبة بلادهم واستقلالها عندما أوفد الأمين العام للأمم المتحدة ممثله الشخصي في عام 1970 لاستطلاع رغبات الشعب البحريني. وقد خلص التقرير إلى أن الغالبية الساحقة تريد دولة عربية مستقلة كاملة السيادة، وأقر مجلس الأمن هذه النتيجة بالإجماع في قراره رقم 278 الصادر في 11 مايو 1970.

لم يكن موقف المواطنين الشيعة يومها منفصلًا عن موقف بقية أبناء البحرين؛ فقد قالوا بوضوح «نعم» لاستقلال وطنهم وعروبته وسيادته، وأكدوا تمسكهم بقيادة آل خليفة الكرام، التي أرست الحكم العربي في البحرين منذ عام 1783. ولم يتغير هذا الموقف الوطني الأصيل لدى الغالبية العظمى منهم، مهما تعددت محاولات التشكيك أو التحريض أو الاستقطاب.

ومنذ قيام نظام ولاية الفقيه، تعرضت البحرين لمحاولات متواصلة لشق صفها الوطني، وإثارة النعرات الطائفية، وتغذية مشاعر التذمر والشك، وتصوير المواطنين الشيعة كأنهم كتلة منفصلة عن وطنها. والحقيقة أن هذا الخطاب لم يخدم شيعة البحرين في يوم من الأيام، بل سعى إلى تحويل انتمائهم الديني إلى ورقة سياسية وأمنية تستخدمها دولة أجنبية في صراعها الإقليمي.

ولا ندعي أن البحرين مجتمع كامل، أو أنها «مدينة فاضلة» لا تعرف الخطأ أو القصور. فمثلها مثل سائر الدول والمجتمعات، تواجه تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية، وقد تقع فيها ممارسات فردية غير عادلة أو أخطاء تستوجب المراجعة والتصحيح. غير أن معالجة أي خلل ينبغي أن تتم تحت سقف الدولة، ومن خلال مؤسساتها وقوانينها، وبروح المواطنة، لا عبر الارتهان للخارج أو تبرير الاعتداء على الوطن.

إن العدالة ليست منحة تقدمها الدولة لفئة، وإنما هي حق لجميع المواطنين، كما أن الولاء ليس مطلوبًا من طائفة دون أخرى، بل هو واجب مقدس مشترك. ومن هنا، فإن الإجراءات الأمنية ترتبط بالفعل المخالف للقانون، لا بالهوية المذهبية، وأن المحاسبة فردية لا جماعية؛ فذلك أكثر عدلًا، وأشد فاعلية في تحصين الجبهة الداخلية وإسقاط ذرائع المتربصين.

وقد شهدنا، مع الأسف، حالات محدودة عبّر فيها بعض الأفراد عن الشماتة أو الفرح عندما تعرضت البحرين للاعتداءات، وهي مواقف مدانة أخلاقيًا ووطنيًا، وقد تمت محاسبة أصحابها وفق القانون. لكن هؤلاء لا يمثلون المواطنين الشيعة، مثلما لا يمثل أي متطرف أو مخطئ الطائفة التي ينتمي إليها. فالغالبية العظمى من شيعة البحرين جزء أصيل من الوطن، أسهمت في بنائه، ودافعت عن هويته واستقلاله، وشاركت في مؤسساته واقتصاده وثقافته ومسيرته الوطنية.

وتقدم تجربة البحرين شواهد عديدة على أن الفرص يمكن أن تُتاح على أساس الكفاءة والإنجاز. ومن أبرزها برنامج ولي العهد للمنح الدراسية العالمية، الذي أسسه صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، عام 1999؛ فقد أتاح للطلبة البحرينيين المتفوقين فرص الدراسة في أرقى الجامعات، وفق معايير أكاديمية واختبارات تنافسية، بعيدًا عن الانتماءات المذهبية والعائلية.

ويتجلى النهج نفسه في المجالين الشبابي والرياضي، اللذين يحظيان بدعم سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة. فقد نالت الأندية والطاقات الرياضية في المدن والقرى فرص الرعاية والتطوير، وبرز أبطال بحرينيون من مختلف مكونات المجتمع. وتظل العداءة البحرينية الشيعية رقية الغسرة، كحال العشرات غيرها، مثالًا وطنيًا مشرفًا؛ فقد مثلت البحرين في دورتي أثينا 2004 وبكين 2008، وحملت علم المملكة في افتتاح أولمبياد بكين، وحققت إنجازات عربية وآسيوية استحقت عليها التكريم والاعتزاز.

إن الرسالة التي نحتاج إليها اليوم واضحة: لا أمن بلا عدالة، ولا عدالة بلا دولة قوية، ولا دولة قوية بلا وحدة وطنية. والحزم مطلوب في مواجهة من يتعاون مع الخارج أو يهدد سلامة البلاد، لكنه يزداد قوة ومشروعية عندما يقترن بالإنصاف، والاستماع إلى المخاوف المشروعة، وتصحيح الأخطاء متى وقعت.

أما من خُدع بالشعارات الإيرانية أو اندفع في لحظة انفعال إلى موقف يسيء إلى وطنه، فإن باب العودة إلى الصف الوطني ينبغي أن يظل مفتوحًا لمن يراجع موقفه ويلتزم بالقانون. فالبحرين لا تحمي نفسها بإقصاء أبنائها، وإنما باستعادتهم إلى حضنها، وبترسيخ الثقة بينهم، وبإشعار الجميع بأن أمنهم وكرامتهم ومستقبل أبنائهم مرتبط ببقاء وطنهم آمنًا موحدًا مستقلًا؛ وهذا ما تؤمن به قيادتنا الرشيدة، بحكمة صاحب الجلالة الملك المعظم حمد بن عيسى آل خليفة، حفظه الله ورعاه، الذي لا يترك مناسبة إلا ويؤكد فيها أهمية الالتزام بقيم الولاء والعدالة والتآلف والوحدة الوطنية.

إذ جاء مؤخرًا في كلمة جلالته السامية بمناسبة المولد النبوي الشريف:

«وفي عالم تشتد فيه التحديات، وتتسارع فيه المتغيرات، تبقى السيرة النبويّة معينًا لا ينضب، نستمد منه القدرة على مواجهة الفُرقة بالتآلف، وتغليب الوسطيّة والاعتدال، ونبذ الكراهية بنشر الرحمة والمحبة، مسترشدين في ذلك بروح الجماعة الواحدة والعزم على الإصلاح وطلب الفلاح، ونحن نحمل أمانة خدمة الوطن ونسعى مخلصين إلى إعلاء كلمته».

وفيما عدا حالات محدودة، فقد فشلت محاولات النظام الإيراني في اختراق المجتمع البحريني؛ لأن اليقظة وروابط التاريخ والمصير والمصلحة المشتركة كانت أقوى من التحريض. وفي هذه المرحلة الحساسة، لا نحتاج إلى صورة وردية تتجاهل المشكلات، ولا إلى خطاب متشائم يزرع اليأس والريبة، بل إلى موقف وطني مسؤول جامع يؤكد أن البحرين تتسع لجميع أبنائها، وأن الاختلاف المذهبي لا ينتقص من المواطنة، وأن حماية الوطن واجبنا جميعًا، وأن وحدتنا ستظل أقوى ضمانة لأمن البحرين وسيادتها ومستقبلها.

الأكثر قراءة

z