عُمان.. دبلوماسية لا تُقاس بمنطق الاصطفاف

 

 

أحمد بن محمد العامري

في منطقة يُقاس فيها الموقف السياسي غالبًا بسؤال: مع من تقف؟ وإلى أي محور تنتمي؟ ومن حلفاؤها ومن خصومها؟ غير أن هذه الأسئلة لا تكفي لفهم التجربة العُمانية؛ تبدو الدبلوماسية العُمانية مختلفة عن السائد . فهي لا ترى أن العلاقات الدولية يجب أن تُبنى على قاعدة "معنا أو ضدنا" بمنطق الرئيس جورج بوش الابن، ولا أن الانضمام إلى المحاور هو الطريق الوحيد لحماية المصالح. ولذلك قد يصعب على بعض المتابعين العرب فهم السياسة العُمانية حين يحاولون قراءتها بأدوات الاصطفاف التقليدية، بينما جوهرها يقوم على مبدأ أبسط وأعمق: أن يكون القرار العُماني مستقلًا، وأن تُبنى العلاقات على المصلحة الوطنية، وحسن الجوار، واحترام سيادة الدول.

فالسياسة الخارجية العُمانية تقوم على الاستقلال في القرار، والحياد الإيجابي، ورفض الدخول في تحالفات موجهة ضد طرف بعينه، إلى جانب ثابتين واضحين: عدم التدخل في شؤون الآخرين، ورفض التدخل في الشأن العُماني. وهذه ليست سياسة انعزال أو حياد سلبي، بل نهج يحافظ على مساحة مستقلة للحركة والتواصل، ويتيح لعُمان أن تتحدث مع المختلفين، وأن تفتح قنوات للحوار حتى عندما تكون الخلافات بينهم عميقة.

ولذلك، فالمسألة ليست أن عُمان تقف على مسافة واحدة من الجميع، بقدر ما أنها تحاول أن تقف على مسافة واحدة من ضغوط الاصطفاف. وهذه نقطة جوهرية في فهم الدبلوماسية العُمانية. فالحياد في أدوات السياسة لا يعني الحياد عن المبادئ؛ إذ يمكن للدولة أن تختلف مع طرف، وأن ترفض بعض سياساته، وفي الوقت نفسه تحافظ على قناة اتصال معه. فالحوار لا يشترط الاتفاق، والتواصل لا يعني الموافقة، والتهدئة لا تعني التنازل.

وقد أسهم هذا النهج في منح عُمان قدرًا من المصداقية في تحركاتها الدبلوماسية الإقليمية. فالطرف الذي لا يُنظر إليه باعتباره جزءًا من الخصومة يمتلك مساحة أكبر للاستماع إلى المختلفين، ونقل الرسائل بينهم، والمساعدة في تهيئة الظروف المناسبة للتفاهم. وليس المقصود أن الدبلوماسية العُمانية تملك حلولًا لكل أزمات المنطقة، وإنما أن استقلال قرارها واحتفاظها بعلاقات مفتوحة مع أطراف متباعدة وفّرا لها رصيدًا سياسيًا يصعب امتلاكه في بيئة تقوم، في كثير من الأحيان، على الاستقطاب.

ولا يمكن فصل هذا النهج عن الإرث الإمبراطوري التاريخي والثقافي لعُمان. فقد عرفت البلاد، بحكم موقعها وتاريخها البحري، التواصل مع شعوب وثقافات متعددة، وتكوّن لديها نمط خاص في التعامل مع الآخر، قوامه الهدوء والاعتدال و"السَّمْت" العُماني. وليس المقصود أن التاريخ وحده يفسر السياسة الخارجية المعاصرة، وإنما أن بعض ملامح ذلك الإرث وجدت امتدادًا في دبلوماسية تفضّل التواصل على القطيعة، والحوار على التصعيد، والسلام على المغامرة بالصراعات.

لكن استقلال القرار والانفتاح على الآخرين لا يعنيان غياب الموقف من القضايا الكبرى. والقضية الفلسطينية هي أوضح مثال على ذلك. ففلسطين بالنسبة إلى المواطن العُماني ليست مجرد ملف سياسي أو نزاع حدودي، وإنما قضية حق وكرامة ووجود. ولذلك فإن السعي إلى السلام لا يعني التسوية على حساب الحقوق، والحفاظ على قنوات التواصل لا يعني التخلي عن الموقف المبدئي من الاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني. فالسياسة الواقعية لا تقتضي أن يتخلى الإنسان عن مبادئه، وإنما أن يعرف كيف يدافع عنها بأدوات أكثر فاعلية، ولذى التطبيع أمر مرفوض شعبيًا ورسميًا.

ومن المنطلق نفسه يمكن فهم التواصل العُماني مع إيران. فإيران دولة جارة وواقع جغرافي وسياسي لا يمكن تجاهله، والتواصل معها لا يعني الاتفاق معها، كما أن الاختلاف معها لا يستلزم قطع كل قنوات الحوار. وإدارة الخلاف بالحوار قد تكون في كثير من الأحيان، أكثر واقعية وأقل كلفة من تركه يتراكم حتى يتحول إلى صراع مفتوح.

ومن مصلحة العرب، في تقديري، أن تكون لهم قنوات تفاهم مباشرة مع إيران، وأن تُبنى العلاقة على المصالح العربية، والأمن الإقليمي، وحسن الجوار، لا أن تُدار بالكامل وفق أجندات قوى خارج المنطقة. وهذا لا يعني تجاهل المخاوف العربية المشروعة أو الخلافات السياسية والأمنية القائمة، بل يعني أن يمتلك العرب قرارهم، وأن يحددوا مصالحهم بأنفسهم وأن يعرفوا كيف يختلفون مع إيران دون أن يتحول هذا الاختلاف إلى تبعية لمحور آخر، فإيران جار دائم.

وهنا تظهر قيمة الدبلوماسية العُمانية بوصفها أكثر من مجرد أسلوب في إدارة العلاقات الخارجية؛ إنها رؤية تقوم على أن الدولة تستطيع أن تكون منفتحة دون أن تكون تابعة، وأن تكون معتدلة دون أن تكون ضعيفة، وأن تتواصل مع المختلفين دون أن تتخلى عن ثوابتها.

وفي منطقة أنهكتها المحاور والاستقطابات، قد يكون الحفاظ على مساحة للحوار أكثر من مجرد خيار دبلوماسي؛ فقد يكون ضرورة سياسية. فالقوة ليست دائمًا في ارتفاع الصوت ولا في كثرة التحالفات، ولا في الدخول في كل مواجهة. أحيانًا تكون القوة في أن تملك الدولة قرارها، وأن تحافظ على أبوابها مفتوحة، وأن تعرف متى تقول "لا"، ومتى تقول "نختلف"، ومتى تقول "لنتحاور".

وربما لهذا يصعب اختزال الدبلوماسية العُمانية في كلمة "حياد". فهي، في جوهرها استقلال في القرار، وانفتاح في العلاقات، وثبات في المبادئ. وفي منطقة تبحث عن مخارج من أزماتها المتراكمة، قد تكون هذه المعادلة أكثر أهمية من أي وقت مضى: أن تختار السلام دون أن تتخلى عن الحق، وأن تحافظ على استقلالك دون أن تغلق أبوابك أمام الآخرين.

ahmedalameri@live.com

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z