حمد الناصري
تبدو مأساة اللغة العربية المُعاصرة في عُقر دارها كأعجب ما تشهد الثقافات الإنسانية عبر التاريخ البشري، إذ كيف يتحَوّل لسانٌ متمكنٌ كان يتحدث به الصغير والكبير، والعالِم والجاهل، والبدوي والحضري بسلاسة وإتقان، إلى رطانة غريبة ونكِرَة يَنْفُر منها أهلها في بلادهم؟
إنّ هذا التساؤل المُر يفتح الآفاق على مُقارنة مُوجعة بين ماضٍ مجيد كانت فيه العربية لغة العلوم الأولى في العالم، وبين حاضرٍ هجين أُقْصِيَت فيه عن مفاصل الحياة والاقتصاد؛ وهي اللُّغَةُ التي أشادَ بِمكانتِها الفيلسوف والمستشرق الألماني "يوهان فك Johann Fück" في كتابه "العربية: دراسات في اللغة واللهجات والأساليب" (الصادر بالألمانية عام 1950م، والذي نقله إلى العربية المترجم والمحقق المصري الدكتور رمضان عبد التواب)؛ إذ يرى "فك" أن العربية امتازت طوال تاريخها بقدرة مذهلة على التكيف واستيعاب أرقى التجليات الفكرية، فكيف يزهد بها بنوها اليوم؟
لقد كان الأجانب بالأمس يتسابقون لتعلّم لغة الضاد، وينكبّون على بُطون المخطوطات وأمهات الكتب العربية يَنهلون من معارفها المزدهرة في الطب، والفلك، وعلم البحار، والكون، وطبقات الأرض. ويؤكد المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون هذا الفضل التاريخي في كتابه الموسوعي "حضارة العرب" (الصادر عام 1884م، بترجمة عادل زعيتر) بقوله: «إن جامعات الغرب لم تعرف مورداً علمياً سوى مؤلفات العرب، فهم الذين مدّنوا أوروبا مادةً وعقلاً وأخلاقاً، والتاريخ لا يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه». بل إنَّ مؤرخ العِلم الشهير جورج سارتون يعترف علانية في موسوعته الضخمة "مقدمة في تاريخ العلم" بأن «تاريخ العلوم الحديثة سيبقى غير مُكتمل دون معرفة اللغة العربية»، مُعتبراً علماء العرب والمسلمين الركيزة الأساسية والصلبة التي قام عليها صرح العِلم الحديث.
وتأكيداً لهذه الريادة، يقول المُستشرق الإيطالي كارلو ألفونسو نالينو Carlo Alfonso Nallino في كتابه "تاريخ الآداب العربية من الجاهلية حتى عصر بني أمية" — وهو في الأصل سلسلة محاضرات ألقاها بالعربية مباشرة في الجامعة المصرية بين عامي 1910 و1911م، وجمع فيها بين دقة المنهج الغربي وعمق التتبع التاريخي— مُشيداً بمرونة لغة الضاد: "لقد وهب الله اللغة العربية مرونة مَكّنتها من صياغة مصطلحات العلوم الطبيعية والرياضية والفلسفية بروعة وبلاغة أعجزت اللغات المعاصرة لها".
وأمام هذا الاعتراف الأجنبي الصريح، يبرز السؤال الحارق: فلماذا تنقلب الآية اليوم، وتنكفئ لغة الحضارة لتصبح غريبة في أوطانها، عاجزة عن حِماية كينونتها في المُعاملات اليومية؟ إنّ الإجابة عن هذا التساؤل تكشف عن حرب مُمنهجة لتجريد الأمة من هويتها؛ حربٍ أدرك الاستعمار الخارجي مُبَكراً أنّ كسْر شوكة مجتمعاتنا يبدأ بقطع صِلتها بنظامها اللغوي الفصيح. وفي هذا السياق، وظّف المندوب السامي البريطاني اللورد كرومر مؤلفه التوثيقي "مصر الحديثة Modern Egypt" (الصادر عام 1908م) ليشنّ هجوماً فكرياً ادعى فيه أنّ اللغة العربية والتعليم التقليدي يشكلان عائقاً أصيلاً أمام التحديث بالنموذج الأوروبي، معتبراً الفصحى غير ملائمة لتدريس العلوم الحديثة أو إدارة الأعمال. وقد اتخذت الإدارة البريطانية من هذه الأطروحة الانهزامية غطاءً سياسياً لتهميش الفصحى وإحلال الإنجليزية والعاميات مكانها في التعليم والإدارة الحكومية، الأمر الذي فجّر مواجهة واسعة من حركات وطنية ذادت بقوة عن حياض الهوية واللسان العربي.
ويتقاطع هذا المخطط الاستعماري تماماً مع ما وثّقه الفيلسوف الفرنكفوني "فرانتز فانون "Frantz Fanon " في كتابه الشهير "معذبو الأرض" (الصادر عام 1961م، بترجمة سامي الدروبي)، حيث أكد في أطروحته حول الاستلاب الثقافي أنّ الاستعمار لا يكتفي بفرض هيمنته السياسية، بل يعمد إلى تدمير البنية اللغوية والثقافية للشعوب لغرس عقدة نقص مزمنة تجعلها ترى في لسان المُسْتعمِر مخلصها الوحيد. كما ينسجم هذا الطرح مع الفلسفة القومية اللغوية التي أسسها الفيلسوف الألماني يوهان غوتليب فيشته في "خطابات إلى الأمة الألمانية" (1807-1808م، بنقلها للعربية، د. عزمي إسلام)؛ إذْ حذّرَ فيها من خطورة التخلي عن اللسان القومي قائلاً: «إن الأمة التي تتخلى عن لغتها الأم لصالح لغة أجنبية، تفقد بالتبعية أصالة تفكيرها المستقل، وتتحول من أمة صانعة للحضارة إلى مجرد صدى تابع للآخر.
ولم تقف المُؤامرة عند حدود التخطيط الخارجي، بل امتدت لتنفذها نُخب مُتغرّبة في الداخل، حَوّلت قاعات المحاضرات والندوات الأكاديمية في البلاد العربية إلى مَنصات لتكريس عقدة النقص الثقافي. فصار هؤلاء المُنظرون يُروجون صراحة أو ضِمْناً لعجز العربية عن استيعاب مُستجدات العصر، مُعتبرين التحدث بالفصحى ضرباً من الرجعية أو التكلف، ومُستسلمين لتبعية لغوية عَمْياء تجعل من لسان المُستعمر الأجنبي الوسيلة الوحيدة للتحضر؛ وهو ما يقود طردياً إلى تفكيك الشخصية الثقافية للمجتمع ومسخها من الداخل. ويأتي هذا المسلك امتداداً عيناً لما وثّقه المفكر الجزائري مالك بن نبي في كتابه "شروط النهضة" (الصادر عام 1949م، بترجمة عُمر مسقاوي) حول خطورة "القابلية للاستعمار" كاستعداد نفسي داخلي للهزيمة، وما حلّله المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه العميق "الثقافة والإمبريالية" (الصادر عام 1993م، بترجمة د. كمال أبو ديب) بشأن اختراق المنظومة الفكرية عبر نُخب محلية تابعة تتبنّى لسان المُستعمر وثقافته لضمان استدامة الهيمنة وتهميش الهوية الوطنية.
وقد تُرجمت هذه الأفكار الانهزامية وفلسفات التبعية اللسانية مُباشرة إلى واقع تعليمي واقتصادي مرير، حيث باتت المناهج الدراسية في معظم الجامعات والمدارس العربية، ولا سيما في التخصصات العلمية والطبية والتقنية، تُدرّس باللغات الأجنبية بالكامل، تاركة اللغة العربية مُهشمة في زوايا ضيّقة للمواد الإنسانية وبطرق تدريس جافة تُنفر الناشئة. وامتد هذا التغريب اللساني ليهيمن على سوق العمل والوظائف بشكل إلزامي؛ إذ أصبحت اللغة الأجنبية شرطاً أساسياً للتوظيف، بل إنّ المفاصل الأساسية للأعمال، سواء في القطاعات الحكومية أو الشركات الخاصة، صارت تُدار وتُكتب وتُناقش بلغة أجنبية يتخذها المتنفذون أداة للامتياز الطبقي والمعاملات القيادية، عازلين لغة الوطن الرسمية عن دورها التنموي والاقتصادي.
وهو الواقع المرير الذي ظلّ يُحَذّر منه عالم المُستقبليات المغربي الراحل المهدي المنجرة في أطروحته الشهيرة "قيمة القيم" (الصادرة عام 2007م)، مؤكداً أنّ التنمية الحقيقية لأي أمة مستحيلة خارج لسانها الأم، وأن فرض لغة المستعمر في مفاصل الاقتصاد هو تكريس مستمر للاستلاب الثقافي والتبعية الاقتصادية. كما يتماشى هذا التغريب المفروض مع النظرية النقدية والسياسية اللغوية التي فصّلها عالم اللسانيات الأمريكي نعوم تشومسكي Noam Chomsky في أبحاثه حول "اللغة والسياسة" (الصادرة عام 1988م)؛ والتي كشف فيها كيف يُوظَّف "حاجز اللغة" كأداة هندسة اجتماعية حاسمة لخلق طبقة قيادية معزولة بلغتها الأجنبية عن عامة الشعب، مما يَضمن احتكار مراكز النفوذ المالي والسياسي وإبعاد المجتمع عن مفاصل القرار المصيري.
ولم يتوقف هذا الزحف التغريبي عند أسوار الشركات والمؤسسات الكبرى، بل تغلغل بعمق ليضرب تفاصيل الحياة اليومية للمواطن البسيط في الشارع العربي؛ فالمُتأمل للمحلات التجارية والمُجمعات الاستهلاكية يلحظ بلا عناء كيف استُبدلت الحروف العربية بأسماء ولوحات أجنبية صارخة بدعوى الرقي والجاذبية الاستثمارية، وحتى المطاعم والمقاهي أصبحت تَفرض قوائم طعام وفواتير مكتوبة بلغات غريبة، تجبر المواطن على رطانة أجنبية كي يطلب قوته أو يفهم مُستحقاته المالية. إنّ هذا التخلي الطوعي والمُمنهج عن السيادة اللغوية يُجسّد بوضوح النبوءة الفلسفية لابن خلدون في مُقدمته حين قال: "إن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده". وتلك هي الغُربة الكبرى؛ أنْ تسُود اللغات الأجنبية في تفاصيل المعيشة والعمل والتعليم داخل الأوطان العربية، بينما يتوارى لسان الضاد الذي سادَ العالم يوماً بعبقرتيهِ الفكرية، ليصبح غريباً مُستضعفاً يُسْتجدى له مكانٌ في فواتير المطاعم ولافتات الشوارع؛ وهو واقعٌ يتماهى مع تحذيرات المفكر الفرنسي روجيه غارودي Roger Garaudy في كتابه "حوار الحضارات" (الصادر عام 1977م، بترجمة د. عادل العوا) من خطر اختراق المُجتمعات بنموذج استعماري ناعِم يُجرد الشعوب من هويتها وأسلحتها الروحية.
خُلاصة القول: إنّ غربة اللغة العربية في عُقر دارها ليست محض عارضٍ تاريخي عابر، بل هي النتيجة الحتمية لـتلاقٍ آثم: بين هندسة استعمارية خارجية خَططت لها الإمبراطوريات التاريخية لكسر الهوية، وبين قابلية ذاتية للاستعمار انزلقت إليها نُخب محلية مُتغربة حوّلت صُروح المَعرفة وفضاءات الاقتصاد والشارع إلى ساحات لتكريس التبعية وعُقدة الدونية الثقافية.
وإذْ يتبدى هذا التخلي الطوعي عن السيادة اللسانية في عزل لغة الضاد عن قيادة المعرفة وسوق العمل، فإنه لن يُعالج بالتباكي والحلول الترقيعية؛ بل يَفرض اليوم معركة وعْي مصيرية وضوابط تشريعية سيادية صارمة لإلغاء هذا "الامتياز الطبقي التغريبي". وإنَّ استرداد السيادة اللسانية لتبوّؤ مكانتها في التعليم، ومفاصل المال، وتفاصيل المعاش، هو قارب النجاة الأوْحَد لاسترداد استقلالنا الفكري وحماية أسلحتنا الروحية، لتظل العربية لغةً ولادةً قادرة على قيادة العقل البشري وإعْمار الحضارة الإنسانية.
