عُمان والسعودية.. علاقة تقوم على الجوار والثقة والمصالح المشتركة

 

 

محمد بن سلطان الساعدي

تجمع سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية علاقة خاصة فرضتها الجغرافيا، ورسختها روابط التاريخ والمجتمع، وأكدتها السنوات من خلال مواقف كثيرة جعلت التواصل بين البلدين يتجاوز مفهوم العلاقات الرسمية بين دولتين جارتين، إلى علاقة تقوم على الاحترام المتبادل، وحسن الجوار، والحرص على المصالح المشتركة.

وعندما نتحدث عن العلاقات العُمانية السعودية، فإننا لا نتحدث فقط عن لقاءات المسؤولين والزيارات الرسمية والاتفاقيات، وإنما عن دولتين تنتميان إلى منطقة واحدة، وتربطهما حدود ومصالح اقتصادية واجتماعية وأمنية، وتشتركان في كثير من القضايا التي تهم استقرار المنطقة ومستقبلها.

وقد حافظت عُمان والسعودية، على مر السنوات، على قنوات تواصل مفتوحة، وعلى رغبة واضحة في تطوير العلاقات بما يخدم الشعبين. وهذا النوع من العلاقات لا يحتاج إلى كثرة الشعارات بقدر ما يحتاج إلى خطوات عملية، وإلى استمرار التواصل والتفاهم حول الملفات التي تهم البلدين.

وتملك السلطنة والمملكة تاريخاً طويلاً من التواصل بين المجتمعات، خصوصاً في المناطق القريبة من الحدود. فالعلاقات بين أبناء البلدين لم تبدأ مع الاتفاقيات الحديثة، وإنما سبقتها علاقات اجتماعية وتجارية وحركة تنقل وتواصل عرفتها المنطقة منذ زمن طويل.

ولعل الحدود المشتركة بين البلدين تمثل واحدة من أهم المساحات التي يمكن أن تتحول إلى فرصة اقتصادية كبيرة. فافتتاح منفذ الربع الخالي شكّل خطوة مهمة في تعزيز التواصل البري المباشر بين السلطنة والمملكة، واختصر المسافات أمام المسافرين وحركة البضائع، وفتح مجالاً أوسع أمام حركة اقتصادية وسياحية بين البلدين.

وهنا تظهر أهمية الجغرافيا بصورة مختلفة، فالحدود التي كانت في الماضي مجرد خطوط تفصل بين دولتين، يمكن اليوم أن تكون جسراً للتجارة والسياحة والاستثمار والتواصل الشعبي.

ومع تطور البنية الأساسية في البلدين، أصبحت الفرص أكبر. فالطرق الحديثة والموانئ والمطارات والمناطق الاقتصادية والخدمات اللوجستية يمكن أن تجعل من العلاقة العُمانية السعودية نموذجاً للتكامل الاقتصادي بين دولتين متجاورتين.

وتتمتع السعودية بسوق كبير، وقاعدة اقتصادية واسعة، ومشروعات تنموية ضخمة، بينما تمتلك عُمان موقعاً بحرياً مُهماً، وموانئ ومناطق اقتصادية، إضافة إلى موقعها الذي يربط بين طرق التجارة في المنطقة، وهذا التنوع يمكن أن يصنع مصالح مشتركة إذا جرى استثماره بصورة جيدة.

ولا ينبغي أن تكون العلاقات الاقتصادية بين البلدين محصورة في التجارة التقليدية. فهناك مجالات واسعة يمكن أن تشهد تعاوناً أكبر، مثل السياحة، والخدمات اللوجستية، والصناعات الغذائية، والثروة السمكية، والتعدين، والطاقة المتجددة، والتقنية، والخدمات، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

كما أن القطاع الخاص في البلدين يستطيع أن يكون شريكاً أساسياً في المرحلة المقبلة. فالعلاقات السياسية المستقرة توفر بيئة مناسبة لرجال الأعمال والمستثمرين للبحث عن فرص جديدة، خصوصاً عندما تكون الأسواق قريبة، والثقافة متقاربة، وحركة النقل بين البلدين متاحة.

ومن المهم هنا ألا ننظر إلى الاستثمار السعودي في عُمان أو الاستثمار العُماني في السعودية على أنه مجرد أرقام، بل باعتباره وسيلة لخلق فرص عمل، وتنشيط المدن والمناطق، ونقل الخبرات، وفتح أسواق جديدة أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

وفي الجانب السياحي، يمكن أن تكون العلاقة بين البلدين أكثر حضوراً خلال السنوات المقبلة. فالسائح السعودي يجد في عُمان طبيعة مختلفة تجمع بين الجبال والبحر والصحراء والأودية والتراث، بينما تقدم المملكة تجارب سياحية متنوعة ومتسارعة النمو.

ويمكن بناء برامج سياحية مشتركة تستفيد من قرب البلدين، بحيث يستطيع السائح الانتقال بينهما ضمن رحلة واحدة. وهذا النوع من التعاون يمكن أن يفيد الفنادق وشركات السفر والمطاعم والنقل والأنشطة السياحية في البلدين.

ولا يقل الجانب الثقافي أهمية عن الجانب الاقتصادي. فالمجتمعات الخليجية تتشابه في كثير من العادات والتقاليد، لكنها في الوقت نفسه تحمل خصوصية لكل دولة. والتعاون الثقافي يُساعد على التعريف بهذه الخصوصيات، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة لمعرفة تاريخ المنطقة بعيداً عن الصورة المختصرة التي تقدمها أحياناً وسائل التواصل الاجتماعي.

ويمكن للجامعات والمؤسسات الثقافية والإعلامية والرياضية أن تؤدي دوراً أكبر في تعزيز هذا التواصل. فالعلاقات بين الشعوب لا تبنى فقط من خلال الحكومات، وإنما أيضاً من خلال المثقفين والكتاب والصحفيين والطلاب والرياضيين ورجال الأعمال.

ومن المجالات التي تستحق مزيداً من الاهتمام أيضاً التعاون الإعلامي. فالإعلام العُماني والسعودي يستطيع أن يقدم صورة واقعية عن البلدين، وأن يركز على القصص الإنسانية والاقتصادية والتنموية التي تجمع الشعبين.

الإعلام المسؤول لا يحتاج إلى المبالغة في وصف العلاقات حتى يثبت قوتها. يكفي أن يعرض الوقائع، وأن يتحدث عن المشاريع المشتركة، والزيارات المتبادلة، والفرص الاقتصادية، وحركة الناس بين البلدين. فهذه التفاصيل اليومية هي التي تعطي العلاقات معناها الحقيقي.

وعلى المستوى السياسي، تتقاطع مصالح عُمان والسعودية في كثير من الملفات الإقليمية. وتدرك الدولتان أنَّ منطقة الخليج لا يمكن أن تنعم بالاستقرار من دون الحوار والتفاهم وتخفيف التوترات.

وقد عُرفت السياسة العُمانية خلال العقود الماضية بالتمسك بالحوار، ومحاولة تقريب وجهات النظر، وعدم الانخراط في الاستقطابات الحادة. وفي المقابل، تملك المملكة العربية السعودية ثقلاً سياسياً واقتصادياً كبيراً في المنطقة، يجعلها طرفاً أساسياً في كثير من القضايا الخليجية والعربية والدولية.

وهذا الاختلاف في الأدوار لا يعني اختلاف المصالح. بل يمكن أن يكون عاملاً يساعد على التكامل، متى ما استمر التنسيق والتشاور بين البلدين.

فالمنطقة تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى علاقات خليجية مستقرة، وإلى دول تتعامل مع الخلافات بالحوار، وتبحث عن نقاط الالتقاء بدلاً من التركيز على نقاط الاختلاف.

وعُمان والسعودية دولتان قادرتان على تقديم نموذج هادئ في هذا المجال. فليس المطلوب أن تتطابق مواقف الدولتين في كل قضية، فهذا أمر غير واقعي في العلاقات الدولية، وإنما المطلوب أن يبقى الاختلاف ضمن إطار الاحترام، وأن تظل قنوات التواصل مفتوحة.

ومن الأمور الإيجابية في العلاقات بين البلدين أن هناك فهماً متبادلاً لخصوصية كل دولة. فعُمان لها تجربتها السياسية والاقتصادية والتنموية، والسعودية لها تجربتها ومسارها الخاص، واحترام هذه الخصوصية يساعد على بناء علاقة أكثر استقراراً وأقل تأثراً بالظروف العابرة.

ومع التحولات الاقتصادية الكبيرة التي تشهدها منطقة الخليج، فإن السنوات المقبلة يمكن أن تحمل فرصاً جديدة للعلاقات العُمانية السعودية.

السعودية تعمل على تطوير اقتصادها وتنويع مصادره ضمن رؤية واسعة، وعُمان تعمل كذلك على تنويع اقتصادها وتعزيز القطاعات غير النفطية. وفي الحالتين، هناك حاجة إلى الاستثمار في الإنسان، والتقنية، والصناعة، والسياحة، والخدمات اللوجستية.

وهنا يمكن أن تتحول العلاقة بين البلدين من مجرد تعاون ثنائي إلى شراكة اقتصادية أكثر اتساعاً.

فالمشروعات الكبرى تحتاج إلى أسواق، والأسواق تحتاج إلى طرق وموانئ وخدمات، وهذه العناصر موجودة بدرجات مختلفة في البلدين. وما ينقص هو المزيد من الربط والتنسيق، وتسهيل الإجراءات، وتشجيع القطاع الخاص على الدخول في مشروعات طويلة المدى.

كما أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تستحق اهتماماً خاصاً. فكثير من أصحاب هذه المؤسسات يبحثون عن أسواق خارج حدود دولهم، وقد تكون السوق المجاورة هي الخيار الطبيعي الأول. وإذا تم تسهيل وصول المنتجات والخدمات العُمانية إلى السوق السعودية، ووصول المنتجات السعودية إلى السوق العُمانية، فإن الفائدة ستكون مشتركة.

ولا يمكن إغفال البعد الشعبي في كل ذلك. فالعلاقات الرسمية مهما كانت قوية تحتاج إلى قاعدة شعبية تدعمها. وكلما زادت معرفة الشعبين ببعضهما، أصبح من السهل بناء علاقات طويلة المدى.

والشعب العُماني يعرف الشعب السعودي، والشعب السعودي يعرف العُمانيين، وهناك تاريخ من التواصل بينهما. لكن المرحلة الجديدة تتطلب أن ينتقل هذا التواصل إلى مستوى أوسع، خصوصاً بين الشباب.

يمكن للجامعات والنوادي الرياضية والمؤسسات الثقافية والفعاليات الاقتصادية أن تكون ساحات طبيعية لهذا التواصل. فالجيل الجديد هو الذي سيحمل هذه العلاقة خلال العقود المقبلة، ومن المهم أن تكون لديه صورة واضحة عن البلد المجاور، تقوم على المعرفة وليس على الصور النمطية.

كما أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت عاملاً مؤثراً في العلاقات بين الشعوب. ويمكن استخدامها بصورة إيجابية للتعريف بالمناطق السياحية، والمنتجات، والتراث، والفرص الاقتصادية، والتجارب الناجحة في البلدين.

وفي المقابل، فإنَّ التعامل مع هذه المنصات يحتاج إلى قدر من المسؤولية. فالعلاقات بين الدول والمجتمعات لا ينبغي أن تتأثر بمنشور عابر أو تعليق غير مسؤول. ومن الطبيعي أن توجد آراء مختلفة، لكن العلاقات الراسخة لا تقاس بما يكتب في مواقع التواصل، وإنما بما يحدث على أرض الواقع.

إن قوة العلاقة العُمانية السعودية لا تحتاج إلى مبالغة في وصفها. فالجغرافيا وحدها تضع البلدين أمام مصالح مشتركة، والتاريخ يضيف إليها بعداً اجتماعياً، والاقتصاد يفتح أبواباً جديدة، والسياسة تفرض استمرار التشاور، والمستقبل يجعل التعاون أكثر أهمية.

ولهذا فإن الحفاظ على هذه العلاقة وتطويرها مسؤولية مشتركة، لا تقع على الحكومات وحدها، وإنما تشمل القطاع الخاص والإعلام والمؤسسات الثقافية والتعليمية والمجتمع المدني.

وفي النهاية، ربما يكون أفضل وصف للعلاقات بين عُمان والسعودية هو أنها علاقة جارين يعرف كل منهما أهمية الآخر.

الجوار ليس مجرد حدود مشتركة، بل مسؤولية مشتركة أيضاً. وعندما يتحول هذا الجوار إلى تعاون اقتصادي وثقافي وسياحي، وإلى تنسيق سياسي وأمني، فإن فائدته لا تتوقف عند الحكومتين، وإنما تصل إلى المواطن في البلدين.

وعُمان والسعودية أمام فرصة حقيقية لبناء مرحلة جديدة من التعاون، تقوم على المصالح الواقعية، والاحترام المتبادل، والعمل الهادئ بعيداً عن المبالغة.

فالعلاقات القوية لا تحتاج إلى كثرة الكلام عنها، وإنما تحتاج إلى استمرار العمل من أجلها.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z