زيارة شي للقاهرة في زمن الطوق: هل سيفتح النوافذ؟

 

 

بقلم: د. جمالات عبد الرحيم

لماذا جاء شي جين بينغ إلى القاهرة الآن؟

في وقت تشتعل فيه النار من حولنا من كل اتجاه، وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة.

الزيارة ليست بروتوكولية؛ فهي رسالة.

أسباب الزيارة ترتبط بثلاث وقائع رئيسية:

1. تأمين طريق الحرير:
الصين تريد قناة السويس، وموانئ البحر الأحمر، والمنطقة الصناعية في السخنة، والقطار السريع. ومصر هي بوابة أفريقيا والعالم.

2. كسر الحصار الأمريكي:
أمريكا تضيق الخناق على الصين؛ في إيران بالعقوبات، وفي أفريقيا بالقواعد، وفي البحر الأحمر بأرض الصومال. لذلك تبحث الصين عن سند قوي، ومصر يمكن أن تكون هذا السند.

3. بريكس والتجارة بغير الدولار:
مصر عضو في مجموعة بريكس، والصين تريد سوقًا يضم أكثر من 100 مليون نسمة، كما تبحث عن بدائل للدولار في التجارة الدولية.

وقالها شي بنفسه في القاهرة: «من يشرب من مياه النيل يعود إليه».

وهو ما يمكن اعتباره اعترافًا بتاريخ مصر وارتباطها بالنيل منذ القدم، وليس كالأقوال التي يرددها بعض المتطرفين بشأن تجفيف مياه النيل، أو الادعاءات التي تستند إلى نبوءات وأفكار متطرفة.

ولن يقول كلامًا مزيفًا مثل الذين يدّعون أن لهم دولة في أرض فلسطين المحتلة، بل إنه رفض ذلك.

ولن يقول مثل ترامب، الذي أراد أن ينسب مضيق هرمز إلى الولايات المتحدة، ولن يوجه تهديدات إلى إيران، ولن يستغل سلطته في إرهاب أحد.

بل يقول الحق، ويقول كلمة الحق أمام أمريكا وإسرائيل.

قد لا يعجب أصحاب النفوذ أي قائد يقول الحقيقة، لكنه رجل بمعنى الكلمة، يريد العمل وفتح المنافذ أمام الصين ومصر ودول القارة، وفتح أبواب العمل والتعاون أمام الجميع.

بل إن أمريكا هي التي تحارب الدول الضعيفة التي لا تمتلك سلاحًا أو مالًا أو سياسة أو اقتصادًا.

فهذا هو الواقع الأليم.

الوقائع: كيف أُغلقت الأبواب؟

1. واقعة أرض الصومال

أمريكا وإسرائيل تتحدثان عن اعتراف وقاعدة في بربرة، بهدف الاستحواذ على ثروات الصومال وشعبها، والهيمنة على مضيق باب المندب وخليج عدن، وإغلاق الطريق أمام إيران والصين والأطراف التي تدعم إيران.

السبب: إغلاق الباب أمام الصين في القرن الأفريقي، وقطع أي علاقة مصرية مع الصومال، بعد أن اشترت المساعدات الأمريكية الولاء هناك، بحسب هذا الطرح.

فالمساعدات، في هذا السياق، تعني الاستسلام للشرطي الأمريكي الإسرائيلي، ولا أحد يدري إلى أين يقود ذلك.

النتيجة: خسرنا عمقًا أفريقيًا، وفتحت أمامنا جبهة بحرية جديدة.

2. واقعة إثيوبيا وسد النهضة

سد مدعوم أمريكيًا وإسرائيليًا.

السبب: استخدام المياه كسلاح، إما بالضغط على مصر وتجفيف مواردها المائية، أو دفعها إلى الدخول في حرب في الجنوب، بينما هي مشغولة في الشرق.

وللأسف، كما جُرّت أقدام بعض حكام الخليج إلى حرب ضد إيران، فإن هذا، وفق هذا التحليل، كان سيناريو مخططًا له منذ سنوات طويلة.

وكما قيل: «لن تقوم للعرب قائمة».

فمن الذي يعي من هؤلاء أو هؤلاء؟ وكيف يدّعي ترامب ونتنياهو السلام بطريقة خادعة، وكأنهما الأذكى من بقية البشر؟ فأين المحللون؟

3. واقعة غزة والتهجير

إبادة جماعية هدفها، وفق هذا الطرح، تفريغ القطاع.

السبب: تهجير قسري إلى سيناء، بما يعني أن الأرض التي استردتها مصر بموجب اتفاقية كامب ديفيد قد تعود إليها محملة بقنبلة ديموغرافية، كما يحدث الآن، وفق الرؤية المطروحة، في سوريا ولبنان.

4. واقعة التطبيع السريع

إسرائيل طبّعت علاقاتها مع أربع دول عربية خلال أربع سنوات.

السبب: نسخة جديدة من كامب ديفيد: «أموال وعلاقات مقابل الصمت».

دول سقطت هويتها، ولم يتحدث أحد، بينما أصبحت مصر، التي قالت «لا»، هي المستهدفة.

5. واقعة حصار الصين وإيران

أي علاقة مع إيران تعني عقوبات، وأي مشروع صيني يتعرض لمحاولات التعطيل.

السبب: تريد أمريكا امتلاك إيران وحدها وخنق الصين، وتريد أن تبقى مصر معزولة وتجري خلف صندوق النقد الدولي.

التحليل: هل يريد ترامب شرق أوسط جديدًا؟

إنها الفكرة نفسها التي قامت عليها كامب ديفيد، ولكن على نطاق أوسع.

تطبيع مقابل الصمت على فساد ترامب ونتنياهو، وصمت على الإبادة، وصمت على التهجير.

وفي الوقت نفسه نسمع شعار «من النيل إلى الفرات».

يريدون أن تجف المياه، ويريدون أن يصرخ الرجال كالنساء، حتى تظل مصر أضحوكة أمام العالم كله.

وبعد ذلك يخرجون للحديث عن السلام.

أليس هذا جنونًا من سلالة الشياطين؟

الخاتمة: معركة كسر الطوق

فهل اكتمل كسر الطوق؟

من الشرق: إسرائيل والتطبيع.
من الجنوب: إثيوبيا والسد.
من البحر الأحمر: أرض الصومال.
من الاقتصاد: العزلة والديون.

الهدف واحد: مصر تصمت، مصر تضعف، مصر بلا قرار.

لكن زيارة الصين فتحت نافذة إنقاذ، وفرصة مهمة لبناء شراكات واستثمارات بلا إملاءات.

الخلاصة

مصر التي اعترفت بالصين عام 1956، وهو ما أشار إليه الرئيس الصيني شي جين بينغ، ومصر التي تقول الحقيقة مهما بلغ الأمر، هي نفسها مصر التي قالت عن غزة: «لا» للتهجير.

وهي بذلك، وفق هذا التحليل، تكسر الطوق.

ونحن، كباحثين، نتوقع أن أمريكا وهيمنتها الكاذبة قد تعلن عقوبات على مصر بلا نقاش، مثلما فعلت مع كوريا الشمالية وإيران والصين.

ورغم أن مصر، بعد اتفاقية كامب ديفيد، لا تحارب إسرائيل، رغم ما يراه الكاتب من تجاوزات للحدود، فإنها لا تفرط في حقوقها، ولا في نقطة مياه، ولا في أي شبر من أرضها.

بل بالوعي والصمود، وبالتمسك بالثوابت، تحافظ مصر على أرضها وحقوقها.

حفظ الله أرض الكنانة مصر، وقادتها وشعبها.

والله خير الحافظين.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z