خالد بن سالم الغساني
إدانة إسرائيل لا تعفي الحكومة السورية من مسؤوليتها. إسرائيل مسؤولة عن فعلها ولا يحتاج ذلك إلى التفاف أو مواربة، لكن الحكومة السورية مسؤولة أمام السوريين عن الطريقة التي تتعامل بها مع انتهاك أرضهم وسيادتهم.
فالسيادة ليست شعارًا يُرفع عندما يتعلق الأمر بالخصوم في الداخل، ثم تنكمش إلى بيان احتجاج عندما يتعلق الأمر بطائرات دولة محتلة تجوب السماء. ولا تستطيع دولة أن تطلب من مواطنيها الاعتراف باحتكارها للسلطة باسم حماية وحدة البلاد وسيادتها، ثم تتعامل مع انتهاكات خارجية متكررة لأرضها وسمائها من دون أن تقدم للرأي العام استراتيجية واضحة لمواجهتها.
والسيادة ليست الحرب بالضرورة، كما أن حماية الحقوق لا تبدأ بإطلاق النار ولا تنتهي بالعجز عنه. هناك القانون الدولي، ومجلس الأمن، والجمعية العامة للأمم المتحدة، والمنظمات البيئية والزراعية والصحية الدولية، والمختبرات المستقلة، والدبلوماسية، والإعلام الدولي، حتى وإن بدت الآمال المعقودة على كثير منها محدودة. وهناك، قبل ذلك كله، حق المواطن السوري في أن يعرف ماذا رُشَّ فوق أرضه.
هذه هي الدولة في أحد أهم معانيها. لأن الدولة ليست البيان الذي يقول إن إسرائيل انتهكت السيادة السورية؛ الدولة هي ما يحدث بعد تلك الجملة.
وتزداد المفارقة وضوحًا عند النظر إلى ما فعله لبنان. فرغم أزماته السياسية والاقتصادية، وضعف مؤسساته وارتهاناته والانقسامات التي تعصف به، أخذت الجهات اللبنانية عينات من المناطق التي تعرضت للرش، وأُجريت التحاليل، وأُعلنت النتائج، وتحركت الجهات الرسمية المختصة، وأُدينت العملية سياسيًا، ثم انتقل الملف إلى المسار الدبلوماسي والأممي.
قد لا يوقف ذلك إسرائيل، وقد لا يعيد قرار دولي للمزارع حقه أو يمنع تكرار الاعتداء، لكن هناك فارقًا جوهريًا بين دولة توثق الانتهاك وتبني ملفًا ضده، ودولة تكتفي بإعلان وقوعه ثم تترك الأسئلة معلقة.
فالسيادة لا تُقاس فقط بالقدرة على إسقاط الطائرة التي تنتهك الأجواء، بل أيضًا بالقدرة على حماية المواطنين، وتوثيق الاعتداء، وتحويل انتهاك الأرض إلى كلفة سياسية وقانونية ودبلوماسية على من ارتكبه.
ولذلك ليس مطلوبًا من دمشق أن تبدأ حربًا لا تستطيع تحملها، ولا أن تدخل في مواجهة عسكرية يعرف الجميع اختلال موازينها. المطلوب أبسط من ذلك، لكنه أكثر جدية من الخطابة وإذاعة الخبر.
لأن إسرائيل، مثل أي قوة تختبر حدود قدرتها على الحركة، لا تقرأ البيانات وحدها، بل تقرأ حدود الفعل. وحين تتحول الانتهاكات المتكررة إلى أخبار وبيانات، لا تعود المشكلة في سلوك القوة المعتدية وحدها، بل تمتد إلى البيئة السياسية التي تسمح بتحويل الانتهاك إلى اعتياد، والاستثناء إلى واقع مألوف.
والصراع مع إسرائيل ليس عسكريًا فقط؛ إنه أيضًا صراع على الحقيقة والتوثيق والشرعية والقانون والرأي العام الدولي. ولا ينبغي التقليل من قيمة هذه الأدوات لمجرد عجز المؤسسات الدولية أو ضعف فاعليتها؛ فإسرائيل نفسها تولي الرواية القانونية والدبلوماسية والإعلامية أهمية كبيرة، ومن غير المنطقي أن يتخلى الطرف العربي طوعًا عن الأدوات التي يستخدمها خصمه بمهارة.
ولهذا فإن أفضل طريقة لكشف الممارسة الإسرائيلية ليست اختراع روايات أكبر منها.
الحقيقة، كما هي، ثقيلة بما يكفي.
طائرات إسرائيلية ترش مواد فوق أراضي دول أخرى. قوة دولية أُبلغت مسبقًا بإحدى عمليات الرش واضطرت إلى اتخاذ إجراءات للحماية. فحوص لبنانية كشفت عن مبيد أعشاب بتراكيز مرتفعة جدًا في بعض العينات. وأراضٍ سورية تعرضت لعمليات رش، فيما لا تزال أسئلة جوهرية عن طبيعة المادة وآثارها بحاجة إلى إجابات معلنة وموثقة.
هذه الوقائع تكفي لطرح السؤال الأخلاقي والسياسي والقانوني، لكنها تضع السوري أيضًا أمام معادلة لا تحتمل الالتباس: ليس عليه أن يختار بين إدانة إسرائيل ومساءلة حكومته. من حقه أن يفعل الأمرين معًا؛ أن يقول لإسرائيل: لا حق لك في أرضنا ولا في سمائنا ولا في حقولنا، ثم يلتفت إلى حكومته ويسألها: وأنتِ، ماذا فعلتِ لحمايتها؟
فالحكومة التي تقول إنها تحمي وحدة الأرض لا يكفيها أن ترسم حدود البلاد على الخرائط، بل عليها أن تثبت أن ما يقع داخل هذه الحدود يعنيها فعلًا.
ومن القنيطرة إلى جنوب لبنان، تكشف عمليات الرش عن صورتين متداخلتين: قوة تتصرف وكأن حدود الآخرين يمكن أن تصبح امتدادًا لحساباتها الأمنية، ودول عربية تواجه، كل بحسب ظروفها وقدراتها، اختبار المعنى الحقيقي للسيادة. ولا ينبغي أن تخفي خطورة الصورة الأولى أوجه الضعف في الثانية.
لقد استفاد المشروع الصهيوني تاريخيًا من تفوق القوة، لكنه استفاد أيضًا من الفراغ العربي والانقسام والعجز، ومن قابلية الانتهاكات للاعتياد، حتى يصبح ما كان صادمًا بالأمس خبرًا عاديًا اليوم.
ولهذا فإن حماية الأرض لا تبدأ فقط عند وصول الدبابة. إنها تبدأ عندما تحلق الطائرة فوق الحقل أيضًا، وعندما تسقط المادة المجهولة، وعندما يأخذ المختبر العينة، وعندما يعرف المواطن الحقيقة، وعندما تتحول الحقيقة إلى موقف سياسي وقانوني لا يُدفن في نشرة أخبار.
فالحرب على الأرض ليست حربًا على التراب وحده. إنها حرب على إمكان البقاء فوقه.
وعندما تصبح طائرة أجنبية قادرة على دخول السماء، والوصول إلى الأرض، والتصرف فيها ثم المغادرة، بينما تبقى السيادة كلمة تتردد في البيانات والخطب، فإن المشكلة لا تعود فقط في الطائرة التي انتهكت الحدود، بل تمتد إلى معنى الدولة نفسها.
ولهذا، وبعد السؤال الموجه إلى إسرائيل: بأي حق تفعل ذلك؟ يبقى السؤال الآخر مفتوحًا أمام دمشق، لا لإعفاء المعتدي من مسؤوليته، وإنما لإلزام الدولة بمسؤوليتها: أين الدولة السورية، إذا كانت الأرض السورية نفسها تُرش من السماء؟
