لا تدع عقلك ينام وملفاتك النفسية مفتوحة

 

 

الأخصائية النفسية خولة خميس البهلاوي 

تخيل أن قلبك بيت، وفي كل يوم يطرق بابه أشخاص ومواقف ومشاعر كثيرة؛ يدخل الفرح قليلا، ويدخل القلق أحيانا، وتعبره كلمات جميلة، وأخرى مؤلمة. ومع نهاية اليوم، يغادر الجميع بيوتهم، وتغلق المحلات أبوابها، وتخلو الشوارع من ضجيجها، إلا بيتا واحدا يبقى مزدحما حتى الفجر: قلبك.

ننام أحيانا وأبواب القلب ما زالت مفتوحة. ندخل معنا إلى الوسادة شخصا أوجعنا، وموقفا أحرجنا، وخوفا من الغد، وندما على الأمس. نجعلهم جميعا يجلسون حولنا في غرفة النوم، ثم نستغرب لماذا لا يزورنا السلام.

والحقيقة أن ما يتعب الإنسان نفسيا ليس دائما ما يحدث له، بل ما يستمر في حمله ذهنيا بعد أن ينتهي. فقد ينتهي الموقف في الواقع، لكنه يستمر داخل العقل من خلال ما يسمى في علم النفس الاجترار الفكري؛ أي العودة المتكررة إلى الأفكار والمواقف المزعجة، وتحليلها واستعادتها دون الوصول إلى حل جديد.

كم من موقف انتهى منذ أشهر وما زال يسكننا؟ وكم كلمة قيلت في دقيقة واحدة وما زلنا نحمل أثرها لسنوات؟ وكم خوف لم يقع أصلا، لكنه استهلك من طاقتنا ما قد يفوق طاقة الحدث نفسه لو وقع؟

لهذا كان الليل مساحة مهمة للراحة النفسية. فالنوم ليس مجرد توقف للجسد عن النشاط، بل مرحلة يحتاج فيها الإنسان إلى الهدوء واستعادة التوازن. وعندما نذهب إلى السرير ونحن نحمل كما هائلا من القلق والتفكير ، قد يصبح الانتقال إلى حالة الاسترخاء أكثر صعوبة.

ومن هنا تأتي أهمية ما يمكن أن نسميه إغلاق الملف النفسي لليوم. 

قبل أن تنام، تخيل نفسك حارسا لبيت قلبك. قف عند الباب واسأل نفسك: ما الذي حدث اليوم؟ وما الذي ما زال عالقا داخلي؟ ثم اسأل سؤالا أكثر أهمية: هل أستطيع أن أفعل شيئا تجاه هذا الأمر الآن؟ 

إذا كان بإمكانك فعل شيء، حدد خطوة بسيطة تقوم بها غدا، ثم اسمح لعقلك بالتوقف عن معالجة الأمر الليلة.

وإذا لم يكن الأمر تحت سيطرتك، فليس مطلوبا منك أن تظل مستنفرا تجاهه طوال الليل. ضع الفكرة جانبا مؤقتا، لا إنكارا لها، وإنما اعترافا بأن لكل مشكلة وقتا مناسبا للتعامل معها.

دع الامتنان يبقى.

ودع الذكريات الجميلة تبقى.

أما القلق، فقل له: انتهى وقتك اليوم.

وأما الندم، فقل له: تعلمت منك ما يكفي.

وأما الخوف، فقل له: الغد لم يأت بعد.

ثم أغلق الباب.

ليس لأن حياتك أصبحت مثالية، ولا لأن مشكلاتك اختفت، بل لأن صحتك النفسية تحتاج أيضا إلى حدود؛ حدود تمنع مشكلة واحدة من احتلال يومك كله، وموقف واحد من سرقة نومك، وشخص واحد من الاستمرار في العيش داخل رأسك بعد أن انتهى وجوده في يومك.

فكر فيها: لو أن لديك طفلا صغيرا تحبه، هل كنت ستسمح له أن يحمل أكياسا ثقيلة طوال الليل وهو نائم؟

إذن، لماذا تسمح لقلبك أن يفعل ذلك؟

لماذا تطلب منه أن يحمل هموم الأمس، وأسئلة اليوم، ومخاوف الغد دفعة واحدة؟

في كل ليلة، هناك قرار صغير لا يراه أحد، لكنه قد يصنع فرقا كبيرا في علاقتك بنفسك: أن تمنح عقلك إذنا بالتوقف.

أن تضع رأسك على الوسادة وأنت تقول: يارب هذا اليوم أصبح خلفي ، أخذت منه درسه ، وتركا عندك ألمه.

وهذا لا يعني تجاهل مشكلاتنا أو الهروب منها، بل يعني أن نميز بين التفكير البناء الذي يقود إلى الحل، والتفكير المستنزف الذي يعيد الألم ذاته مرارا دون جدوى. وعندما ندرك هذا الفرق، نصبح أكثر قدرة على حماية طاقتنا النفسية وراحتنا الذهنية.

وهنا تكمن الفكرة: التعافي النفسي لا يعني أن تختفي جميع المشكلات، بل أن نتعلم ألا نحملها كلها في الوقت نفسه. 

لذلك، عندما يحل الليل، لا تأخذ معك إلى وسادتك كل ما كسر خاطرك، ولا كل ما أخافك، ولا كل ما لم يكتمل كما تمنيت.

اترك شيئا لله.

اترك له الأسئلة التي أتعبتك، والطرق التي لم تتضح، والأبواب التي أغلقت، والقلوب التي لم تفهمك، والأقدار التي عجزت عن تفسيرها.

ثم نم.

نم وأنت مؤمن أن بعض الأمور تحتاج إلى وقت، وبعضها يحتاج إلى قرار، وبعضها يحتاج إلى تقبل، وبعضها ببساطة ليس في قدرتك أن تغيره.

فليس مطلوبا منك أن تحمل العالم على كتفيك حتى تنام، ولا أن تجد لكل ألم جوابا، ولا لكل حيرة مخرجا.

يكفي أن تقول في هدوء: يارب فعلت ما أستطيع،  وما ألم أستطع فأنت أقدر عليه مني.

ثم أغمض عينيك.

فبعض الملفات لا تغلق بالحلول، بل بالطمأنينة.

وبعض الأوجاع لا يخففها النسيان، بل التقبل والتسليم.

وبعض الليالي لا تحتاج إلى إجابات جديدة، بل تحتاج إلى عقل يتوقف قليلا عن إعادة المشهد، وقلب يثق بأن ما لا يستطيع الإنسان حمله وحده، يمكنه أن يضعه بين يدي الله.

لأن أجمل طريقة لإنهاء يومك ليست أن تنهي كل شيء، بل أن تعرف متى تتوقف عن حمل كل شيء.

خذ من يومك درسه، واترك ألمه. خذ خبرته، واترك استنزافه. ثم أغلق ملف اليوم، واترك للغد أن يأتي في وقته.

فأحيانا لا تكون حاجتنا إلى نوم أطول، بل إلى عقل أقل ازدحاما.

وحين تضع رأسك على الوسادة، لا تسأل نفسك: "هل انتهت كل مشكلاتي؟"

اسألها:

هل فعلت ما أستطيع اليوم؟

إن كانت الإجابة نعم، فامنح نفسك الحق في الراحة.

أما ما تبقى، فله غد، وله وقت، وله تدبير لا تملكه وحدك.

أغلق ملفك النفسي قبل النوم فما انتهى اليوم يكفيه اليوم، والغد يحتاج منك قلبا أكثر هدوءا، وعقلا أكثر اتزانا، ونفسا لم تقض ليلها في إعادة فتح ما كان يجب أن يغلق مؤقتا.

 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z