"الهبَّات" والخداع الاجتماعي!

 

 

د. صالح الفهدي

تُخبرني إحدى الأُمَّهات أنَّ ابنها ذهبَ ليشتري منتجًا دخل عالم الهبَّات، فلمَّا اشتراه صوَّرَه ثمَّ رماه في القمامةِ لأنَّه لا يحبُّ طعمه!! وأجد في هذا مدخلًا للحديث عن عالم "الهبَّات الاجتماعية" وما يقومُ عليه في الحقيقة من خداع، وذلك لأنَّ الإنسان لا يشتري منتجا أو يمارس عادة دائماً لأنه وجدها الأفضل بصورة عقلانية؛ فكثيرا ما يكون المجتمع نفسه جزءا من عملية صناعة الرغبة.

لنبدأ بما أسمِّيه ظاهرة "شاي الكَرَك" الذي انتشر في فترةٍ من الفترات، وتراكمت أعداد المحلَّات التي تبيعهُ وازدحم عليه النَّاس، ليس لأنه مشروبٌ صحيٌّ معتمدٌ من جهةٍ صحيَّةٍ، وموصى عليه بل لأنَّ شخصًا شربه، أو مروِّجًا روَّج له، ثم بدأت القصَّة تتدحرج كتدحرج كرةِ الثلج حتى كبرت ثم ذابت فخفتَ الضجيج حول "شاي الكرك". القهوة هي مثالٌ آخر، فقد تبدأ القصة بشخص يشربها لأنها تمنحه النشاط، ثم يراه ثانٍ وثالث، ويصبحُ جزءاً من "طقسٍ اجتماعي" فكلُّ صباحٍ لابد أن يبدأ بقهوة وإلا فليس له طعم، وهو طقسٌ بدأ ينتشرُ عند الكثير من الشباب في مجتمعاتنا.   

أذكرُ أنني حينما كنتُ في المملكة المتحدة (بريطانيا) كنتُ أستمعُ إلى آراءِ المتصلين لسؤال واحدٍ مطروحٍ في الحلقة وهو: لماذا تَشرب الكحول؟، وأجملتُ الإجابة في غالبها في التالي: Because it is socially accepted  أي لأنه مقبول اجتماعيّا. وهو ما يعني أنَّه أصبحَ طقسًا اجتماعيا بغضِّ النظر عن مضارِّه الفادحة في الجسدِ، وتأثيراته عقليًّا.

يرى علم الاجتماع أنَّ الإنسان كائن اجتماعي، ولذلك فهو يراقب الآخرين باستمرار ليعرف:

ماذا يفعلون؟ ماذا يحبون؟ ماذا يشترون؟ وما الذي يعتبرونه مقبولا؟ وهذا يوفر عليه كثيرا من التفكير والمخاطرة. فإذا رأى عشرة أشخاص يستخدمون منتجا مُعينا، فقد يستنتج بصورة تلقائية أن المنتج جيد، حتى قبل أن يختبره بنفسه. وهُنا تكمنُ أُكذوبة الباعة في المحلَّات حين يقولون عن أي منتج "هذا أكثر المنتجات مبيعًا" أو "أكثر الناس تشتري هذا المنتج" فيندفعُ الناس الآخرون بفضل هذا الخداع لشرائه دون تفكير!.

نسأل هُنا: هل كل الذين يقفون في طوابير لشراءِ الشاي، أو القهوة، أو الآيسكريم، أو غيرها من المنتجات مقتنعون تمام الاقتناعِ بالفائدة الصحيَّة لذلك المنتج، أو على الأقل بالحاجة الحقيقية لذلك المنتج، أم لأنه أصبح "ترنداً" عصريًّا، أو لصورة صباحية يبدأ بها يومُ الإنجاز؟!

تقولُ بعض الدراسات أن كثيرًا مما يظنه الإنسان اختيارا فرديًا خالصًا، يكون في حقيقته اختيارا تشارك الجماعة في صناعته؛ فنحن لا نشتري الأشياء دائما لأننا نحتاج إليها، بل لأننا نراها في أيدي الآخرين، ونمنحها معنىً، ثم يتحوَّل هذا المعنى إلى عادة، وتتحول العادة إلى معيار، ويتحول المعيار في النهاية إلى جزء من ثقافة المجتمع.

في دراسة تحليلية نشرتها "Sage Journals" عام 2021 بعنوان " تأثير المعايير الاجتماعية في سلوك المستهلك" جمعت250  تقديرا للأثر و112,478 مشاركا من 22 دولة وجدت أنَّ المعايير الاجتماعية تؤثر في سلوك المستهلك، وأن قوة التأثير تختلف بحسب طبيعة السلوك، والبيئة، وطريقة تقديم المعيار، ومدى قرب الجماعة المرجعية من الفرد.

كما أن دراسة تحليلية حديثة نشرتها National Library of Medicine " بعنوان" المعايير الوصفية/المعايير الإلزامية: مراجعة تحليلية عبر أربعة سياقات صحية" في عام 2026 وشملت99  دراسة و80,722 مشاركا، وجدت أن تصوُّر ما يفعله الآخرون يرتبط بصورة أوضح بالسلوك الفعلي، بينما يرتبط تصوُّر ما يوافق عليه الآخرون بدرجة أكبر بالاتجاهات والنوايا.  

نختصرُ الطريق لأنَّ الخداع الاجتماعي واضح من خلال ما نراهُ في الواقع وما تسبرهُ الدراسات، وذلك حين يتم صناعة انطباع اجتماعي زائف أو مضخَّم بأن «الجميع يفعل ذلك» أو «هذا هو الأكثر مبيعًا" وهذا هو "الترند اليوم" بل وأنَّ صناعة الانطباع هي التي تصنع رغبات زائفة مخدوعة وهي تفعل ذلك في مجتمعات أُخرى بإظهارها الشخص المدخِّن للسجائر على أنَّه الشخص العصري حيث يظهر البطل في الأفلام وهو يتفنن في إمساك السجائر ونفث الدخان، كما تُظهر شراب الكحول على أنَّه ميزة اجتماعية راقية مرتبطة بالطبقة الراقية في المجتمع، فيدفع ذلك الناس إلى التقليد تحت تأثير ما يظنونه إجماعًا اجتماعيا.

هُنا يأتي "اقتصاد الانتباه Attention Economy " الذي لا يراهنُ على المنافسة بين المنتجات على السعر والجودة وحدهما، وإنما يراهن على احتلال مساحة في وعي الإنسان. وما ينجح في احتلال الانتباه لا يظل مجرد محتوى؛ فقد يتحوَّل إلى حديث اجتماعي، ثم إلى تقليد، ثم إلى عادة، ثم إلى معيار اجتماعي، وعندها يتحول الانتباه إلى طلب اقتصادي.

ولا شكَّ أن العلاقة بين "الهبَّات الاجتماعية" واقتصاد الانتباه وثيقة جدا؛ بل يمكن القول إن اقتصاد الانتباه هو البيئة التي تجعل الهبات الاجتماعية الحديثة أسرع انتشارا وأوسع نطاقا وأكثر قابلية للتحول إلى سلوك استهلاكي؛ فإذا كانت الهبَّة الاجتماعية تجيب عن سؤال: "لماذا يفعل الجميع هذا"؟، فإنَّ اقتصاد الانتباه يجيب عن سؤال: "كيف وصل هذا المنتج إلى أنظار الجميع أصلا؟"

يقود هذا الخداع المنصَّات الاجتماعية والمروِّجون الذي يسمَّون خطأً بـ"المؤثرين"، المنصات الرَّقمية تعرض أمام الناس آلاف المنتجات والأفكار والصور والمقاطع، لكنها لا تستطيع أن تجعلها كلها متساوية في الظهور. ولذلك تعمل الخوارزميات على ترشيح ما يُتوقع أن يجذب الانتباه والتفاعل. وهنا تبدأ الدورة: انتباه-مشاهدة- تفاعل- انتشار- ظهور اجتماعي- تقليد - طلب استهلاكي - مزيد من الانتباه". لقد أبان علم الاجتماع بصورة عامة إن الاستهلاك ليس مجرد عملية اقتصادية؛ إنه أيضا لغة اجتماعية.

نخلصُ مما تقدَّم إلى أنَّه يمكن النظر إلى الهبات الاجتماعية في كثيرٍ من الأحيان بوصفها إفرازا للخداع الاجتماعي الواقع على الأفراد، خاصَّة أما الخداع فيظهر عندما يتم التلاعب بالمعلومات التي يعتمد عليها الناس في تقدير ما يفعله الآخرون أو ما يرغبون فيه.

وتؤيد ذلك دراسة منشورة فيJournal of Marketing Research  بعنوان: التأثير الاجتماعي في تقييمات المنتجات عبر الإنترنت"  حلّلت 7,499 تقييمًا من المستهلكين لـ114 فندقا، ووجدت أن تقييمات المستهلكين السابقين تؤثر في التقييمات اللاحقة؛ أي أن حكم الشخص على تجربته لا يكون مستقلا تماما عن الأحكام التي رآها من الآخرين.

الشاهد أن علينا ألا نجرَّ خُطانا خلف كل "هبَّةٍ اجتماعية" دونَ وعي بأهميتها، وقيمتها، وجدواها، والحاجةِ إليها، ولا نهرعُ وراء "الترند" بحجَّة أن الآخرين يفعلون ذلك، فليس كل ما اشتهرَ وذاع صيته، جديراً بالانتباهِ والاهتمام. فالإنسان الواعي لا يقيس قيمة الفكرة بما يثار حولها من ضجيج، بل بما يضعهُ هو من معايير ترتبط بالحاجة، والجودة، والقيمة، والفائدة، حتى لا يكون مجرَّد تابعٍ ينجرُّ وراءَ كل ناعق. 

 

 

الأكثر قراءة

z