علي بن محمد بن جمعة اللواتي
انتهى المقال الثالث إلى أنَّ الاقتصاد لا يحتاج إلى قطاعات واعدة فحسب، بل إلى قطاع يؤدي دور المرساة، فيولّد طلبًا مستمرًا، وإلى حزمة محفزة تجمع الحد الأدنى من المشروعات والخدمات اللازمة لانطلاق السوق. ويبقى السؤال المؤسسي: من يضع هذه المرساة، ومن يجمع الحزمة الأولى؟
قد تكون الفرصة الاقتصادية واضحة، لكن نجاح كل مشروع يعتمد على استثمارات أخرى لم تبدأ بعد. وقد تكون هذه الاستثمارات مجدية إذا نشأت معًا، إلا أنها تبدو أشد مخاطرة حين يقيّم كل مستثمر مشروعه منفردًا. عندئذ لا تكمن المشكلة في ضعف الفرصة، بل في غياب الطرف القادر على تنسيق البداية.
وفي مثل هذه الحالات، قد لا يكفي أن تهيئ الدولة الأرض والبنية الأساسية وتفتح المجال للمستثمرين؛ فالسوق تحتاج أحيانًا إلى جهة تقود تأسيسها وتنسق عناصرها، من دون أن تتحول إلى مشغّل دائم لها.
لماذا يحتاج السوق إلى صاحب الحزمة؟
لا تجتمع المشروعات تلقائيًا لمجرد أن وجودها معًا يفيد الجميع. فلكل مستثمر حساباته وتوقيته وقدرته على تحمل المخاطر. وقد لا يجد أي طرف منفرد مصلحة كافية في تمويل عنصر تتوزع منافعه على الآخرين، كما قد لا يستطيع إلزامهم بتنفيذ العناصر التي تقوم عليها جدوى مشروعه.
لذلك تحتاج بعض الأسواق، في مرحلة التأسيس، إلى «صاحب الحزمة»: جهة تنظر إلى السوق بوصفها منظومة واحدة، لا مجموعة من المشروعات المنفصلة. فتحدد الطلب المستهدف، وتعيّن العناصر التي لا تقوم السوق من دونها، وتجمع المستثمرين والمشغلين حول تصور مشترك والتزامات متبادلة، وتنسق توقيت دخولهم.
وهذه وظيفة مؤسسية لا يحددها شكل قانوني بعينه؛ فقد تؤديها شركة خاصة قائدة، أو تحالف من المستثمرين، أو شركة تطوير مشتركة، أو ذراع استثمارية تشارك فيها الدولة. المهم ليس شكل الجهة، بل الوظيفة التي تؤديها؛ وهي ما نسميه في هذا المقال «الجهة القائدة».
وقد تكون الجهة القائدة هي التي تنشئ مشروع المرساة، أو تجمع حول مرساة قائمة بقية عناصر الحزمة.
لا يكمن نجاح الجهة القائدة في أن تصبح أكبر شركة داخل السوق، بل في أن تجعل السوق أكبر منها.
الدولة مستثمر أول لا مشغّل دائم
وعندما يعجز المستثمرون عن تنسيق البداية، يمكن للدولة أن تؤدي دور المستثمر الأول أو الشريك المؤسس. وقد تسهم بالأرض أو البنية الأساسية أو بجزء محدد من رأس المال، أو تضمن إنجاز بعض العناصر التي تتوقف عليها بقية الاستثمارات.
وقد تتولى شركة تطوير رئيسية إعداد المخطط العام وبناء الحزمة الأولية، ثم استقطاب المستثمرين والمشغلين والعلامات التجارية، وتسويق السوق بوصفها منتجًا مترابطًا. ويمنح حضور الدولة في مرحلة التأسيس ثقة أكبر باكتمال العناصر الأساسية، بينما يضيف القطاع الخاص الخبرة التجارية والانضباط في اختبار الجدوى.
لكن مساهمة الدولة لا تنجح لمجرد خفضها مخاطر المشروع الأول، بل تنجح حين تخفض مخاطر المشروعات التي تأتي بعده. فقد تبني الدولة أصلًا كبيرًا يظل معتمدًا عليها، فلا تنشأ حوله سوق. وقد تسهم في مشروع أكثر تحديدًا، لكنه يجذب شركات وموردين وخدمات جديدة، فيصبح أثره أكبر من حجمه.
ولهذا يجب أن تكون المساهمة العامة محددة وشفافة وموجهة إلى تحمل مخاطر التأسيس والتنسيق، لا إلى تغطية الخسائر إلى أجل غير معلوم. كما ينبغي ألا تتوسع الجهة القائدة في كل نشاط تجاري يظهر حولها؛ إذ قد يحوّلها ذلك تدريجيًا من أداة تستقطب المستثمرين إلى منافس يضيّق المساحة أمامهم.
فالاختبار الحقيقي ليس مقدار ما تملكه الدولة، بل مقدار ما أصبح القطاع الخاص مستعدًا لتمويله نتيجة تدخلها الأول.
ديسارو كوست: بناء السوق قبل انتظار المستثمر
تقدم «ديسارو كوست» في ولاية جوهور الماليزية مثالًا مفيدًا لفهم هذه الآلية. فالمنطقة تمتلك موارد ساحلية وموقعًا قريبًا من سنغافورة، لكن الموقع والطبيعة لا يصنعان وحدهما سوقًا سياحية قادرة على منافسة وجهات سياحية أكثر رسوخًا.
دخلت «خزانة ناسيونال»، صندوق الثروة السيادي الماليزي، من خلال ذراع متخصصة في تطوير المنتجعات والوجهات السياحية. ولم تتعامل مع ديسارو بوصفها أرضًا تُقسّم إلى فنادق ومشروعات منفصلة، بل بوصفها سوقًا تحتاج إلى مخطط واحد وحزمة أولى مترابطة.
جمعت الحزمة فنادق ومنتجعات بعلامات دولية، وحديقة مائية، وملاعب للجولف، ومرافق للفعاليات، ومساكن سياحية، وبنية وصول تربط المنطقة بالأسواق القريبة، تعززت لاحقًا بخدمة عبّارات مباشرة مع سنغافورة.
ولم يكن أي عنصر من هذه العناصر كافيًا وحده، لكن اجتماعها رفع جدوى كل عنصر منها: سهولة الوصول تدعم الإقامة، والفعاليات توسع الطلب خارج مواسم الإجازات، والمرافق الترفيهية تمنح الأسرة أسبابًا إضافية للزيارة، ووجود العلامات المعروفة يعزز ثقة الزائر والمستثمر.
والدلالة الأهم ليست وجود الأسماء العالمية على الفنادق، بل دخول مستثمرين متخصصين بحصص رأسمالية حقيقية. فبحسب إعلان مجموعة «ماينور» عند إطلاق المشروع، دخلت المجموعة شريكًا في منتجع أنانتارا بحصة الأغلبية (٦٠%) إلى جانب الذراع التابعة لخزانة (٤٠%)، في مشروع قُدّرت قيمته بنحو ٢٤٢ مليون رينجيت ماليزي. وهذا يختلف عن مجرد التعاقد مع مشغّل يتقاضى رسوم إدارة؛ لأن المستثمر الخاص وضع رأسماله في المشروع، مستندًا إلى السوق التي صنعتها الحزمة مجتمعة.
هنا لم يكن دور الجهة القائدة أن تمتلك كل شيء، بل أن تبني الإطار الذي يجعل استثمار الآخرين ممكنًا. فالفندق يستفيد من مرافق الترفيه والرياضة، والفعاليات تدعم السكن والنقل، والربط الخارجي يوسع السوق الفعلية، وتراكم الزوار يفتح المجال للمطاعم والمتاجر والخدمات والمشروعات الجديدة.
ولا ينبغي تقديم ديسارو بوصفها وصفة جاهزة لعُمان، أو نجاحًا ماليًا مكتملًا؛ فالمعلومات العامة لا تكفي للحكم على عائدها النهائي أو مقدار استقلالها عن رأس المال العام. لكن التجربة توضح الوظيفة التي تستطيع جهة تقودها الدولة أداءها: جمع الحزمة الأولى، ثم استخدام هذه الحزمة لاستقطاب رأس المال والخبرة والطلب.
من الفنادق المنفردة إلى حزم سياحية متكاملة
يحمل هذا الدرس أهمية خاصة لعُمان. فقد أسهمت الدولة في إنشاء فنادق ومنتجعات جذابة واستقطبت لبعضها علامات عالمية، لكن جودة الأصل لا تكفي وحدها لقيام سوق سياحية نشطة حوله؛ إذ يبقى الفندق أصلًا منفردًا ما لم يرتبط بأنشطة وفعاليات وخيارات سكن ونقل وخدمات تمنح الزائر أسبابًا للقدوم وإطالة الإقامة والإنفاق في الاقتصاد المحلي.
لذلك قد لا تكون وحدة التخطيط المناسبة هي الفندق أو المشروع، بل المحافظة أو النطاق السياحي الذي يمتلك مقومات سوق قابلة للنمو. فبدل أن يُدار كل أصل ويُسوّق منفردًا، يمكن بناء حزم متكاملة للمحافظات أو النطاقات السياحية، بحسب مواردها والأسواق التي تستطيع استهدافها.
ولا ينبغي أن تكون هذه الحزم متماثلة؛ فقد تستهدف إحداها الأسر الخليجية، وتركز أخرى على المؤتمرات والتدريب. والمهم أن تُبنى كل حزمة على طلب محدد، لا على مجرد وجود أرض أو فندق يمكن الترويج له.
فإذا استهدف نطاق سياحي الأسر الخليجية، فلا تكفي إقامة منتجع جيد؛ بل ينبغي أن تُبنى حوله حزمة تشمل سهولة الوصول، والأنشطة العائلية، وخيارات السكن والنقل والخدمات المحلية التي تطيل مدة الإقامة وتوسع إنفاق الزائر. وتدخل الفعاليات ضمن هذه الحزمة عندما تُصمَّم وفق احتياجات السوق المستهدفة، لا بوصفها برامج عامة لجذب الزوار: فيمكن مواءمة توقيتها مع الإجازات المدرسية وعطلات نهاية الأسبوع، وتنظيم أنشطة لفئات عمرية مختلفة ضمن برنامج مترابط، وربطها بعروض قابلة للحجز. وعندئذ تصبح مهرجانات التسوق والمواسم الثقافية والرياضية مرساة زمنية تجدد سبب الزيارة، وتطيل الإقامة، وتوزع إنفاق الأسرة على عناصر الحزمة؛ فتغدو الوجهة، لا الفعالية أو الفندق منفردًا، هي المنتج الذي تقصده الأسرة.
وهنا يظهر الفرق بين إدارة الأصل وبناء السوق. إدارة الأصل تسعى إلى تحسين إشغاله وعائده، أما بناء السوق فيسعى إلى جعل الأصل سببًا في دخول مشروعات أخرى ونمو اقتصاد أوسع حوله.
متى تنتهي مهمة الجهة القائدة؟
يبدأ دور الجهة القائدة حين يعجز المستثمرون عن جمع الحزمة الأولى، وينحسر حين تصبح السوق قادرة على جذب استثمارات جديدة من تلقاء نفسها. وأولى علامات ذلك أن يأتي المستثمر الجديد لأن العناصر القائمة حسّنت فرص نجاحه، لا لأنه تلقى دعمًا منفصلًا.
ويتأكد النضج عندما تتوسع المشروعات الخاصة من مواردها الذاتية، وينشأ موردون محليون، وتتعدد مصادر الطلب، وتنخفض الحاجة إلى الضمانات العامة. عندها تستطيع الدولة خفض حصتها أو إدخال مساهمين جدد أو الاحتفاظ بحصة استراتيجية محدودة.
فالخروج التدريجي دليل على أن السوق أصبحت قادرة على تمويل نموها. أما استمرار اعتماد المستثمرين على الدعم، أو توسع الجهة القائدة في كل نشاط، فقد يعني أن الدولة أنشأت شركة كبيرة، لا سوقًا أكبر.
ولا يُقاس نجاح الجهة القائدة بما بقي تحت سيطرتها، بل بما نما خارجها: كم شركة دخلت، وكم موردًا نشأ، وكم مصدرًا جديدًا للطلب ظهر، وكم توسعًا استطاع القطاع الخاص تمويله من دون ضمان حكومي جديد.
المطلوب ليس توسيع الملكية العامة، بل تصميم تدخل تأسيسي مؤقت يُقاس نجاحه بقدرته على بناء السوق وجذب الاستثمار الخاص، ثم إفساح المجال أمام القطاع الخاص. فالجهة القائدة لا تدخل لتبقى في مركز السوق، بل لتبني سوقًا قادرة على مواصلة النمو بعد انحسار دورها.
