عُمان بين الواقع والتوجُّه

 

 

 

إسماعيل بن شهاب البلوشي

أتابع بشغف سياستنا العُمانية الراسخة والمتزنة، وأرى أنها استطاعت عبر سنوات طويلة أن تصنع لعُمان مكانة ربما تفوق في بعض جوانبها حجمها الجغرافي والسكاني. سياسة تقوم على الاحترام، وعدم الاندفاع، وبناء الجسور والثقة، والمحافظة على العلاقة مع الجميع دون أن تفقد عُمان شخصيتها أو قرارها. والنتيجة أن اسم عُمان أصبح حاضرًا بثقة في ملفات إقليمية ودولية كثيرة، وأصبحت مسقط مكانًا يلتقي عنده المختلفون عندما تضيق بهم الطرق الأخرى.

وتبعت ذلك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، قرارات وانفتاح جعلت عُمان وجهة للسياحة والعمل والعبور والربط بين دول العالم. ولم يعد جمال عُمان بحاجة إلى كثير من التعريف؛ فالصورة وصلت إلى العالم بصورة تلقائية ومتنامية. وأصبح الجبل الأخضر في الصيف مقصدًا معروفًا، وتحولت صلالة في موسم الخريف إلى وجهة سياحية تتجاوز الإطار الخليجي إلى حضور دولي متزايد، فضلًا عن مسندم ورمال الشرقية وسواحل عُمان وقلاعها وبيئتها المتنوعة؛ بل إن موقع عُمان السياسي والجغرافي وموثوقيتها جعلاها اليوم جزءًا مهمًا من طرق التجارة والنقل والربط بين مناطق مختلفة من العالم. وهذه ليست مكاسب عابرة، بل رصيد وطني كبير صنعته سياسة دولة على مدى عقود.

ولكن، وليُقبل مني شيء من الصراحة: هل تحرك الداخل بالسرعة نفسها التي تحركت بها مكانة عُمان في الخارج؟ وهذا هو السؤال الذي يستحق أن نطرحه.

عندما نقرر أن تكون عُمان دولة مفتوحة على العالم، ووجهة للسياحة والاستثمار والعمل والعبور، فلا يكفي أن نفتح الأبواب؛ بل يجب أن تكون الدولة من الداخل مستعدة لما يأتي عبر هذه الأبواب؛ فالزائر لا يقرأ السياسة العُمانية في البيانات الرسمية فقط، وإنما يقرأ عُمان منذ اللحظة التي تهبط فيها طائرته: في المطار، وفي سرعة إنهاء إجراءاته، وفي الوقت الذي ينتظر فيه حقيبته، وفي الموظف الذي يقابله، وفي سيارة الأجرة، وفي الطريق، وفي اللوحة الإرشادية، وفي نظافة المكان، وفي مستوى الفندق والمطعم والخدمة.

هذه التفاصيل الصغيرة هي في الحقيقة سياسة دولة، وليست مجرد خدمات يومية؛ فإذا كنا نريد ملايين إضافية من السياح، فعلينا أن نسأل: هل طرقنا الرئيسية والفرعية مستعدة؟ هل الطرق المؤدية إلى المواقع السياحية بمستوى الطموح؟ هل المواقف والمرافق العامة ودورات المياه والاستراحات واللوحات والخدمات الإسعافية جاهزة؟ وهل واجهات مدننا ومداخلها تعطي الانطباع الذي نريده عن عُمان المستقبل؟

وإذا أردنا أن تصبح عُمان مركزًا للنقل واللوجستيات، فالسؤال نفسه ينتقل إلى الموانئ والمطارات والجمارك وسرعة المناولة والتخليص والربط البري والخدمات الرقمية. لأن المستثمر أو المسافر أو شركة الشحن لا تقيس الدول بحسن النيات، وإنما بالوقت والكلفة والكفاءة وسهولة الإجراء.

هنا أعتقد أننا بحاجة إلى شيء يتجاوز الخطط القطاعية المنفصلة.

لدينا رؤية «عُمان 2040»، وهي إطار وطني مهم، لكنني أتحدث عن حاجة أخرى موازية لها: مركز استراتيجي وطني رفيع المستوى، لا يكون مركزًا للدراسات النظرية ولا لإنتاج التقارير التي تنتهي في الأدراج، وإنما عقلًا استراتيجيًا دائمًا للدولة؛ ينظر إلى عُمان كوحدة واحدة، ويربط السياسة الخارجية بالاقتصاد والسياحة والنقل والأمن السكاني والمياه والطاقة والطرق والمطارات والموانئ والتعليم والتقنية.

وإذا استقبلنا 10 ملايين سائح، فماذا نحتاج؟ وإذا تضاعف النقل عبر موانئنا، ماذا سيحدث للطرق؟ وإذا أصبحت عُمان محطة دولية أكبر للطيران، فهل مطاراتنا وخدماتها ومناولة الأمتعة والنقل منها وإليها مستعدة؟ وإذا نمت مدينة ما بسرعة، فأين ستكون بعد عشرين عامًا؟ وأين سيكون الماء والكهرباء والطريق والمستشفى والمدرسة؟

الاستراتيجية الحقيقية ليست أن نحل المشكلة بعد وقوعها، بل أن نراها قبل أن تقع. لذلك فإنني لا أعتقد أن التخطيط الاستراتيجي ينبغي أن يُختزل في الاقتصاد وحده، ولا في زيادة الناتج أو عدد المشروعات أو نسب الاستثمار، على أهمية كل ذلك. فالدولة منظومة واحدة؛ وقد تنجح سياستها الخارجية في فتح 1000 باب، لكن إن لم يكن الداخل مستعدًا لاستقبال ما يأتي من تلك الأبواب فإننا نفقد جزءًا من ثمرة ذلك النجاح.

عُمان اليوم تمتلك شيئًا ثمينًا جدًا: الثقة الدولية. وهذه الثقة لم تُشترَ بالمال، وإنما بنتها المواقف والسياسة والعلاقات والاتزان عبر السنين. والمطلوب في المرحلة القادمة أن نحول هذه الثقة السياسية إلى قوة اقتصادية وسياحية ولوجستية وخدمية ملموسة.

لسنا بحاجة إلى أن نقلد تجربة أحد.. عُمان يجب أن تبقى عُمان، بطبيعتها وشخصيتها وهدوئها وخصوصيتها. ولكن علينا أن نأخذ من تجارب العالم شيئًا واحدًا مهمًا: أن الطموح الكبير يحتاج إلى جهاز دولة يفكر بالمستقبل قبل أن يصل إليه.

السياسة العُمانية سبقت في أحيان كثيرة أحداث المنطقة، وقرأت ما لم يقرأه الآخرون إلا بعد سنوات. فلماذا لا تنتقل هذه القدرة نفسها إلى الطرق والسياحة والمطارات والمدن والخدمات والاستثمار؟

لقد أصبح العالم يعرف أين تقع عُمان، ويحترم سياستها، ويكتشف جمالها يومًا بعد يوم.

والسؤال الآن ليس: كيف نجعل العالم يأتي إلى عُمان؟ بل: هل أعددنا عُمان كما ينبغي عندما يأتي العالم إليها؟

 

الأكثر قراءة

z