◄ نتائج مسح دخل الأسرة العُمانية في مرمى النقد.. ومطالبات بمقاييس تعكس المعيشة الفعلية
◄ العاصمي: الأسرة العُمانية تحتاج إلى تنويع مصادر الدخل لتلبية غلاء المعيشة
◄ توظيف الباحثين عن عمل أولى خطوات زيادة دخل الأسرة
◄ العبري: القرارات المالية اليومية تؤثر بصورة كبيرة في مستوى إنفاق الأسرة
◄ سهولة الدفع عبر الهاتف تشجع على التوسع في الإنفاق
◄ تساوي الدخل لا يعني بالضرورة تساوي القدرة على الإنفاق والادخار
◄ الزدجالي: شريحة كبيرة من الأسر لا تنعم بالاستقرار المالي
الرؤية- ريم الحامدية
أثارت نتائج مسح دخل وإنفاق الأسرة، تساؤلات حول آلية وضع المتوسطات المعلنة والتي لم تعكس الواقع المعيشي للأسر العُمانية، حسب مراقبين، خاصة مع توصل المسح لنتيجة مفادها أن متوسط الدخل يصل إلى 1839 ريالًا فيما يبلغ معدل الإنفاق 1058 ريالًا. وبين مؤيد للأرقام ومُتحفِّظ على دلالاتها، أكد مختصون لـ"الرؤية" أن قراءة الوضع المالي للأسرة، تتطلب النظر إلى ما هو أبعد من المتوسطات، مع التركيز على حقيقة الدخل المكتسب، لا سيما فيما يتعلق بالرواتب والأجور.
وقال الدكتور محمد العاصمي المختص في الشؤون الاجتماعية، إن نتائج المسح طُرحت في توقيت "لم يكن مناسبًا"، خصوصًا في ظل الظروف التي تمر بها المنطقة وما تشهده من أزمة لم تتضح مآلاتها بعد. وأضاف أن الطرح كذلك لم يكن مُتسقًا مع رؤية المجتمع، وأن الجدل الذي أثارته النتائج أفضى- في حال كان وراء المسح هدف اقتصادي- إلى انتفاء هذا الهدف وعدم تحقيق الغاية المرجوة منه.
وأوضح العاصمي أن ردود الفعل المجتمعية القوية تجاه النتائج تمثل مؤشرًا مهمًا بشأن طبيعة الإحصاءات والمعلومات التي ينبغي طرحها أمام المجتمع، مؤكدًا ضرورة التريُّث بدرجة أكبر عند نشر مثل هذه البيانات، خصوصا عندما تتصل بمعيشة المواطن. وأشار إلى أن كل ما يتعلق بمعيشة المواطن يمثل خطًا أحمر من شأنه أن يثير ردود فعل قوية، مبينًا أن سياق طرح النتائج ربما لم يكن مناسبًا أو مُتقبَلًا اجتماعيًا، رغم ما قد يكون من حُجج تُبرِّرُه.
وحول سبل مواجهة الاحتياجات المتنامية للأسرة، أكد العاصمي أن الأسرة بحاجة إلى تعدد مصادر الدخل، من خلال معالجة تحدي الباحثين عن عمل، ووضع سياسات تعمين داعمة، وإيجاد مسارات فاعلة لهذا الملف. وأوضح أن رفع دخل الأسرة يرتبط بصورة أساسية باستثمار مواردها البشرية، باعتبارها المورد الأهم، مشيرًا إلى أن عدم وجود مصدر دخل لأي فرد من أفراد الأسرة يشكل عبئًا إضافيًا عليها. وأضاف أن السبيل الأول والأهم لمواجهة الاحتياجات المتنامية للأسرة يتمثل في العمل على زيادة دخلها، من خلال معالجة تحدي الباحثين عن عمل وفرض سياسات التعمين لمواجهة هذه المشكلة.
وبيّن أن مجلس الشورى يساهم بصورة واضحة في تلمس احتياجات الأسرة والمواطن، من خلال مجموعة من الأدوات البرلمانية، سواء عبر البيانات الوزارية التي يستضيف خلالها أصحاب المعالي الوزراء وما تشهده من نقاشات وطروحات تتصل بمستوى معيشة المواطن، أو من خلال أدوات المتابعة الأخرى، ومنها الأسئلة وطلبات الإحاطة وطلبات المناقشة والرغبات الفردية وتلك التي تبديها لجان المجلس.
وأشار إلى أن المجلس يواصل كذلك التواصل مع الحكومة من خلال استضافة المسؤولين وطرح القضايا والتحديات التي تواجه الأسرة أمامهم في لجان المجلس، مؤكدًا أن مختلف هذه الأدوات تهدف في مجملها إلى إيجاد حلول للتحديات التي تواجه الأسرة، وتعزيز مستوى دخل الفرد داخلها.
إدارة دخل الأسرة
من جانبه، قال عبدالله بن محمد العبري، الباحث في الاقتصاد السلوكي وعضو الجمعية الاقتصادية العُمانية، إن متوسط دخل الأسرة البالغ 1839 ريالًا، لا يعكس بالضرورة قدرتها الفعلية على الإنفاق والادخار، موضحًا أن متوسط الدخل يعبر عن مستوى الدخل في المتوسط، لكنه لا يوضح بصورة مباشرة حجم الأموال المتاحة للأسرة بعد سداد التزاماتها ونفقاتها.
وأشار إلى أن أسرتين قد تحصل كل منهما على الدخل نفسه، لكن تختلف قدرتهما المالية بصورة كبيرة نتيجة اختلاف حجم الالتزامات والقروض والمصروفات، مؤكدًا أن الدخل مهم، إلا أن طريقة إدارة هذا الدخل واستخدامه لا تقل أهمية عنه. وأضاف أن الاقتصاد السلوكي يهتم بدراسة كيفية اتخاذ الأسر والأفراد قراراتهم المالية، بما في ذلك تأثير العادات والقرارات اليومية والتحيز للحاضر، الذي قد يدفع الفرد إلى تفضيل الإنفاق الفوري على الادخار لاحتياجات مستقبلية.
وأوضح العبري أن القرارات المالية اليومية تؤثر بصورة كبيرة في مستوى إنفاق الأسرة؛ إذ لا يتشكل الإنفاق دائمًا من قرارات كبيرة، وإنما من تراكم عدد كبير من المصروفات الصغيرة التي قد تتحول مع الوقت إلى مبالغ مؤثرة. وبيَّن أن التخفيضات والإعلانات وسهولة الشراء والدفع عبر الهاتف قد تشجع على الإنفاق بصورة أكبر، مشيرًا إلى أن سهولة الدفع قد تقلل الإحساس المباشر بقيمة الأموال التي يتم إنفاقها.
وأكد أن ارتفاع الإنفاق لا يرتبط دائمًا بانخفاض الدخل، فقد يكون دخل الأسرة مناسبًا، لكن ضعف التخطيط المالي أو أنماط الاستهلاك قد تؤثر في قدرتها على الادخار. وقال إن الحكم على الوضع المالي للأسرة يتطلب النظر إلى كيفية استخدام الدخل، وليس إلى حجمه فقط.
وأشار العبري إلى أهمية النظر إلى مؤشرات أخرى إلى جانب متوسط الدخل والإنفاق، من بينها حجم الادخار، والالتزامات والديون، ونسبة الإنفاق على الاحتياجات الأساسية، ومدى قدرة الأسرة على مواجهة المصروفات الطارئة، إلى جانب ما تمتلكه من مدخرات وأصول مقارنة بما عليها من التزامات.
وضرب مثالًا على ذلك بأسرتين تحصل كل منهما على دخل شهري قدره 1839 ريالًا، إلا أن اختلاف المصروفات الأساسية وأقساط الديون والمصروفات الأخرى قد يجعل إحدى الأسرتين قادرة على ادخار 389 ريالًا، بينما لا يتبقى للأسرة الأخرى سوى 19 ريالًا. وأوضح أن هذا المثال يؤكد أن تساوي الدخل لا يعني بالضرورة تساوي القدرة على الإنفاق أو الادخار.
وخلص العبري إلى أن قراءة الوضع المالي للأسرة العُمانية لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال كم يبلغ دخل الأسرة؟ وإنما تمتد إلى معرفة حجم التزاماتها ومصروفاتها وما يتبقى لها بعد الإنفاق، ومدى قدرتها على الادخار ومواجهة الطوارئ. وأضاف أن فهم الوضع المالي الحقيقي يحتاج إلى قراءة الأرقام والسلوك معًا؛ فالدخل يوضح حجم الموارد المتاحة، بينما يكشف السلوك المالي كيفية استخدام هذه الموارد.
معطيات غير واقعية
وقال يوسف الزدجالي، المختص في الشأن العام، إن متوسط دخل الأسرة المعلن ومتوسط الإنفاق لا يعكسان الدخل الفعلي للأسرة العُمانية ولا يمكن البناء عليهما للحكم على مستوى المعيشة، معتبرًا أن النتائج قد لا تحمل أي دلالة اجتماعية واقتصادية واقعية.
وأوضح أن المتوسطات المعلنة اعتمدت على معطيات حسابية "غير واقعية" عند إسقاطها على المجتمع العُماني، مشيرًا إلى أن احتساب بعض البنود، ومنها إيجار المسكن المملوك، إلى جانب تأثير الأجور المرتفعة لشريحة من العاملين في القطاعين العام والخاص وشبه الخاص، والتي قد تتجاوز في بعض الحالات 40 ألف ريال، يمكن أن يرفع المتوسط بصورة كبيرة عند مقارنته بأجور شريحة واسعة من المواطنين التي لا تتجاوز 400 ريال أو تقل عن ذلك.
وأكد الزدجالي أن النظر إلى دخل الأسرة كمجموع قد لا يكون المدخل الأدق لقراءة الوضع المالي، مشددًا على أهمية النظر إلى دخل الفرد كلٌ على حدة. وقال إن الأسرة مفهوم اجتماعي يدخل ضمن النسق الاجتماعي، بينما يرتبط الدخل والقدرة المالية بصورة مباشرة بالفرد، مستشهدًا بأن الأنظمة الضريبية في الدول التي تُطبِّق ضرائب على الدخول المرتفعة تفرضها على الأفراد وفق مستويات دخولهم، وليس على الأسرة كمجموع.
وأشار إلى أن رفاه الأسرة واستقرارها يرتبطان بارتفاع دخول أفرادها كل على حدة، مؤكدًا أن مسؤولية الدولة تتمثل في متابعة مستويات دخول الأفراد والعمل على رفعها بصورة مستمرة، بالتوازي مع ارتفاع تكاليف المعيشة والاحتياجات الأساسية.
وفي تقييمه للاعتماد على المتوسطات الحسابية، قال الزدجالي إن هذه المتوسطات قد تعطي واقعًا غير دقيق عند استخدامها منفردة للحكم على الوضع المالي للأسر العُمانية، مشيرًا إلى أن الاستقرار المالي ليس واقعًا تعيشه شريحة كبيرة من الأسر، في ظل استمرار عدد من التحديات، وفي مقدمتها ملف الباحثين عن عمل، والمسرحين من أعمالهم ممن يمضون سنوات دون دخل مستقر، إلى جانب موظفي القطاع الحكومي الذين يواجهون، بحسب تعبيره، تحديات مرتبطة بالمكافآت والترقيات، فضلًا عن الخريجين والعاملين بعقود مؤقتة.
وأكد الزدجالي أن هذه الفئات وغيرها تمثل تحديات مباشرة أمام الاستقرار المالي للأسر، متسائلًا عن مدى إمكانية اعتبار الأسرة العُمانية مستقرة ماليًا في ظل وجود هذه الشرائح والظروف الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بها. وأضاف أن معالجة هذه الملفات تتطلب تدخلًا وطنيًا حقيقيًا يستند إلى قراءة دقيقة للواقع واحتياجات المواطنين، بعيدًا عن البهرجة الإعلامية التي لا تقدم، من وجهة نظره، حلولًا فعلية للتحديات القائمة.
