أهمية الاستثمار لتحديث التجربة التنموية العُمانية

 

 

د. يوسف بن حمد البلوشي

yousufh@omaninvestgateway.com

 

تؤكد التجارب الاقتصادية في مختلف دول العالم أهمية الاستثمار بمعناه الواسع، بوصفه عنصرًا أساسيًا في تحريك الاقتصاد وتوليد فرص العمل وبناء القدرات الإنتاجية وزيادة الإنتاج والتصنيع والتصدير وتقديم الخدمات. وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الدفع بملفات التصدير وتوطين إنتاج السلع على أهميتها لا يكفي ولا يحقق المأمول ما لم تسبقه قاعدة استثمارية وبيئة أعمال حاضنة للشركات القادرة على الإنتاج والمنافسة والاستمرار؛ لأنَّ الاقتصاد لا يستطيع أن يبيع للعالم ما لا ينتجه، ولا أن يُوطن إنتاج سلعة لا يملك القدرة على إنتاجها بجودة وسعر وتوقيت مناسبين.

فأساس التصدير هو الإنتاج، وأساس توطين السلع هو القدرة المحلية على الإنتاج، والإنتاج بطبيعة الحال لا يبدأ من دون استثمار. والحديث هنا لا يقتصر على بناء مصنع أو شراء آلة، بل يشمل الاستثمار في المعرفة والمهارات والتقنية وتشبيك العلاقات التجارية للوصول إلى الأسواق. ومن بين أنواع الاستثمار ذلك المتأتي من مدخرات الأفراد والشركات والحكومة، والاستثمار الأجنبي المباشر، والاستثمار الممول من خلال الائتمان الذي يقدمه القطاع المصرفي؛ ولذلك فإنَّ التمويل لا يصبح استثمارًا لمجرد توافر المال، وإنما عندما يتحول هذا المال إلى أصل منتج أو معرفة أو خدمة أو قدرة جديدة تُسهم في رفع الإنتاجية والتشغيل والتصدير.

وتتعاظم أهمية الاستثمار في اقتصاد صغير ومفتوح بحجم اقتصاد سلطنة عُمان ؛ فبدونه ستظل أهداف توليد فرص العمل وتنويع القاعدة الاقتصادية والإيرادات العامة أكثر صعوبة. وتشير البيانات الأولية للمركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أنَّ الناتج المحلي الإجمالي بلغ نحو ٤٢٫١٤ مليار ريال عُماني بالأسعار الجارية في عام ٢٠٢٥، مرتفعًا بنسبة ٢٫٣٪، في حين نما الاقتصاد الحقيقي بنسبة ٢٫٤٪، ونمت الأنشطة غير النفطية بنسبة ٣٫١٪ مقابل ١٫١٪ للأنشطة النفطية. وهذه مؤشرات إيجابية في اتجاه التنويع، لكنها لا تعني تلقائيًا ارتفاع الإنتاجية أو القدرة على التصدير أو توفير وظائف نوعية ومستدامة للعُمانيين.

وفي ذات السياق، تُظهر بيانات الاستثمار الأجنبي المباشر هذا التحدي بوضوح أكبر؛ فقد بلغ رصيده وفق البيانات الأولية بنهاية الربع الرابع من عام ٢٠٢٥، نحو ٣١٫٣٨ مليار ريال عُماني، بزيادة ٨٫١٪ مقارنة بعام ٢٠٢٤. غير أن نحو ٢٥٫٤١ مليار ريال، أي قرابة ٨١٪ من الإجمالي، تركزت في استخراج النفط والغاز، بينما بلغ رصيد الصناعات التحويلية ما يقارب ٨٫٥٪ من الإجمالي، مسجلًا انخفاضًا بنسبة ٤٫٥٪ عن عام ٢٠٢٤. وهذه الأرقام لا تقلل من أهمية النفط والغاز بوصفه مصدر قوة وتمويل وخبرة، لكنها تؤكد أن التحدي الحقيقي ليس في حجم الاستثمار فقط، وإنما في نوعيته وقدرته على نقل التقنية وفتح الأسواق وبناء سلاسل قيمة وروابط أعمق مع بقية الاقتصاد الوطني.

ومن جانب آخر، نجد أنَّ الائتمان المصرفي موجه معظمه لتمويل القروض الشخصية والاستهلاك والشركات الحكومية وموظفي الحكومة وتشير تقارير ممارسة الأعمال إلى أن الحصول على تمويل في القطاعات الإنتاجية والخدمية بالتكلفة والاشتراطات المناسبة يمثل التحدي الأول في ممارسة الأعمال في السلطنة.

وعودةً إلى أهمية الاستثمار، نجد أنَّ معظم دول العالم تُسخّر قوانينها وإمكاناتها للتأثير الإيجابي فيه، وجعله أكثر جاذبية وأقل تكلفة، وتهيئة بيئة الأعمال المناسبة لازدهاره؛ فالقانون الواضح، والإجراء القابل للتوقع، وسرعة الفصل في المنازعات، وتوافر الأرض والطاقة والمهارات والبيانات، جميعها تخفض كلفة القرار الاستثماري، حتى وإن لم تظهر في قيمة المشروع المعلنة. وقد تكون الحوافز والإعفاءات سخية، لكن أثرها يظل محدودًا إذا تكررت الموافقات، أو تعددت المرجعيات، أو غابت المدة الملزمة لاتخاذ القرار؛ فالبيئة الجاذبة ليست البيئة الأقل تنظيمًا، وإنما الأكثر وضوحًا واتساقًا وسرعة في تطبيق التنظيم.

وفي السياق المحلي، لا تكمن المشكلة في غياب المقومات؛ فسلطنة عُمان تمتلك موقعًا استراتيجيًا وموانئ ومناطق اقتصادية، وإنما يكمن التحدي في تحويل هذه المقومات إلى فرص ناضجة ومترابطة وقابلة للتمويل والتنفيذ؛ فالميناء لا يحقق أثره الكامل من دون طرق وخدمات لوجستية ومناطق صناعية، والمنجم لا يحقق أعلى قيمة إذا انتهى دوره عند استخراج الخام، والمشروع الزراعي أو السمكي يحتاج إلى التخزين والتصنيع والنقل والتسويق. فالقيمة الأكبر لا تأتي دائمًا من المشروع الأكبر، بل من قدرة مجموعة المشروعات على الارتباط داخل سلسلة إنتاج واحدة تحتفظ بجزء أكبر من الدخل والمعرفة داخل الاقتصاد الوطني.

والجدير بالإشارة إلى أن الاستثمار في الأصول لا يكتمل من دون الاستثمار في الإنسان والبيانات؛ فالمصنع المتقدم أو المنصة الرقمية أو المختبر لا يحقق غايته إذا غابت الكفاءات القادرة على تشغيله وتطويره. وينطبق ذلك بصورة أوضح على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، الذي يمكن أن يرفع كفاءة العمليات في الصناعة والطاقة، ويُحسّن إدارة حركة البضائع في الموانئ، ويساعد على إدارة المياه والزراعة وتحليل الفرص الاستثمارية. لكن شراء نظام جاهز لا يمثل استثمارًا معرفيًا بالضرورة؛ لأن الاستثمار الحقيقي في هذا المجال يحتاج إلى توافر إحصاءات متاحة وموثوقة، وبنية حاسوبية، وكفاءات وطنية، وأطر واضحة للأمن والخصوصية، حتى لا تتحول التقنية إلى فاتورة استيراد دائمة لا تترك معرفة أو قيمة محلية.

والجدير بالإشارة، أن للميزانية العامة للدولة (المالية العامة) وظيفة مهمة في تحريك الاستثمار، ولكن ليس من خلال زيادة الإنفاق بلا تمييز، بل عندما يفتح الاستثمار الحكومي مجالًا لنشاط خاص، أو يعالج فجوة في البنية الأساسية، أو يخفض مخاطر الدخول إلى قطاع جديد، أو يبني قدرة لا يستطيع السوق تأسيسها منفردًا. وفي المقابل، ينبغي ألا يزاحم مشروعًا قابلًا للتمويل التجاري؛ ولذلك فإن قياس النجاح يجب ألا يتوقف عند حجم الانفاق العام المعلن، بل يمتد إلى نسبة المشروعات التي دخلت مرحلة التشغيل، والوظائف والأجور والإنتاجية والصادرات والمشتريات المحلية ونقل التقنية، مع نشر الفجوة بين الاستثمار المعلن والمنفذ؛ لأن الإعلان يقيس النية، بينما التشغيل هو الذي يقيس الأثر.

وفي ظل ما يشهده العالم من تحولات متسارعة واضطرابات جيوسياسية متزايدة، تبرز في المقابل فرص واعدة لسلطنة عُمان في قطاعات التجارة والخدمات اللوجستية والطاقة والصناعة والأمن الغذائي والتقنية. ويتطلب اغتنام هذه الفرص الاستثمار في الجاهزية والمعرفة والبحث والتطوير وعلى مختلف الأجهزة والكيانات الحكومية اظهار قدرًا أكبر من المرونة الاقتصادية وسرعة مدروسة في اتخاذ القرار. ولا تعني المرونة التخفيف من الضوابط، بل تطوير أطر تنظيمية واضحة وفعالة تحقق أهدافها بأقل قدر ممكن من الوقت والكلفة، وتخضع للمراجعة والتحديث المستمرين بما يواكب المتغيرات.

ولكي نُسرّع خطانا في سباق التنمية ونحقق مستهدفات رؤية عُمان ٢٠٤٠، لا بد من توفير الاستثمار كمًا ونوعًا، وربطه بوضوح بالإنتاجية والقيمة المضافة وفرص العمل؛ فالنجاح لا يقتصر على الانفاق على البنية الأساسية التقليدية  بل يمتد إلى تطوير الفرص الاستثمارية وتأطيرها أو تسويق سلطنة عُمان بوصفها وجهة واعدة، والاستثمار في معرفة مكامن المعادن، واستكشاف فرص الاقتصاد الأزرق والأخضر والقائم على المعرفة، وتحويلها إلى مشروعات قابلة للحياة، ثم ربط هذه المشروعات بالتمويل والكفاءات والأسواق والموردين المحليين، ومراجعة نتائجها على أساس الأدلة، لا على أساس قيمة الإعلان وحدها.

وخلاصة القول إنَّ الاستثمار ليس مجرد إنفاق يمكن تأجيله من دون كلفة، ولا يقتصر على الطرق والمدارس والمستشفيات والموانئ والمصانع والمختبرات، بل يشمل البحث والتطوير والابتكار، وبناء الشبكات والعلاقات الاقتصادية مع دول العالم، وتنمية الموارد البشرية. وقد حققت سلطنة عُمان في عام ٢٠٢٥ نموًا في الأنشطة غير النفطية وارتفاعًا في رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر، لكن الأرقام تكشف أيضًا استمرار التركّز والحاجة إلى إنتاجية أعلى وروابط محلية أعمق. وبالاستثمار المتوازن الذي يجمع بين الحجم والجودة، والانفتاح والقدرة الوطنية، والسرعة والمساءلة، تتجدد التجربة التنموية العُمانية، وتتسع قدرة الاقتصاد على صناعة فرصه بدلًا من انتظارها.

 

 

 

الأكثر قراءة

z