محمد بن رامس الرواس
عندما يُقبل علينا شهر ربيع الأول تأتي معه ذكرى تفرح بها قلوبنا وتسعد بها نفوسنا غبطةً وسرورًا، ويعود بنا الزمان إلى ذلك الصباح في هذا الشهر المبارك الذي لم يكن صباحًا كسائر الصباحات؛ فقد أشرق فيه على الدنيا نورٌ غيّر وجه التاريخ وبدّل مجرى الحياة الى الصلاح والفلاح، وفتح للإنسانية بابًا من رحمة المولى عزوجل لم يُغلق منذ ذلك اليوم، ولن يُغلق بإذن الله تعالى ما بقي في الأرض قلب يؤمن بالله ويهتدي بهدي رسوله المصطفى.
في هذا الشهر المبارك وُلد سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام؛ نبي الرحمة الذي جاء إلى الدنيا وكان ميلاده بمثابة ميلاد أمة، وميلاد رسالة، وميلاد جديد للإنسانية جمعاء.
وُلد صلى الله عليه وسلم وكانت الدنيا في عتمة من الظلمات، ظلمات بعضها فوق بعض؛ قويٌّ يأكل حق ضعيف، وغنيٌّ يستعبد فقيرًا، وعصبية تفرق بين الناس، ووثنية حجبت العقول عن نور خالقها، حتى كأن الرحمة قد أوشكت أن تصبح غريبة في قلوب الناس.
فشاء المولى جل جلاله، أن يبعث في تلك الظلمات سراجًا وهاجًا وقمرًا منيرًا، وأن يخرج من مكة رجلًا أميًّا يحمل إلى العالم أعظم كلمة عرفتها البشرية: لا إله إلّا الله وأن لا معبود بحق إلا الله، وأن الناس جميعًا عباده، وأن أكرمهم عنده أتقاهم.
لقد كان مولده عليه الصلاة والسلام فاصلًا بين زمنين، وحدّاَ بين عهدين؛ عهدٍ أثقلته الوثنية والجهالة، وعهدٍ أشرق فيه نور التوحيد والعلم والرحمة والعدل.
وإذا كان ربيع الأول يعيد إلى الذاكرة ذكرى مولد الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام، فإن الوفاء يكون بكثرة ذكر سيرته وغرس محبته بقلوبنا بجانب ان نبحث في أنفسنا عن أثر تلك المحبة، فما قيمة أن نتحدث عن رحمته ولا نرحم؟
وما معنى أن نذكر أمانته ولا نؤدي الأمانة؟
وما جدوى أن نمدح أخلاقه ثم تغيب أخلاقه عن معاملاتنا وبيوتنا ومجالسنا؟
إن المحبة الصادقة ليست كلمة تجري على اللسان، بل خلق يظهر في السلوك، ورحمة تسكن القلوب، وأمانة تحفظ الحقوق، وعفو عند المقدرة، ويد تمتد إلى محتاج، وقلب يصفح عمن أساء اليه.
في أيام هذا الشهر المبارك، يحسُن بنا أن نكثر من الصلاة والسلام عليه، وأن نعطر مجالسنا بذكره، وأن نفتح صفحات سيرته لأبنائنا، لا لنروي لهم حوادث التاريخ فحسب، وإنما لنعرفهم بالرسول الانسان وصفاته، فهو النبي الذي حمل أعباء الرسالة وصبر على الأذى، وعفا حين قدر، ورحم حين اشتدت الخصومة، وظل وفيًّا لمبادئه حتى أتم الله به الدين وأكمل به النعمة.
وحين نستحضر سيرته، فإننا نستحضر معها أولئك الرجال والنساء من الصحابة الذين آمنوا به وصدقوه ونصروه؛ وآل بيته الأطهار الكرام رضي الله عنهم، الذين بذلوا النفس والمال، وترك بعضهم الأهل والوطن، وصبروا على الجوع والخوف والأذى، حتى وصل إلينا هذا الدين صافيًا نقيًّا، تتناقله الأجيال جيلًا بعد جيل.
وكم نحن اليوم بحاجة إلى أن نعود إلى مدرسة رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم لنحسن العيش في حياتنا؛ ففي عالم اليوم الذي كثرت فيه الخصومات نحتاج إلى سرد وتعلم رحمته، وفي زمن اضطربت فيه الموازين نحتاج إلى عدله، وفي زمنًا غلبت عليها المادة نحتاج إلى التعلم من زهده، وفي مجتمعات أنهكتها الفرقة نحتاج إلى ذلك الخلق النبوي الذي جمع القلوب بعد شتاتها، وألّف بينها بعد عداوتها.
فالحمد لله على نعمة الإسلام، والحمد لله على بعثة نبي الرحمة، والحمد لله الذي جعلنا من أمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
