محمد بن علي الرواحي
حين تدبّ الحياة في أروقة المدارس، لا تبدأ الحكاية من جرس الحصة الأولى، بل من خطوات المُعلِّم الذي يسبق الطلبة إلى محرابه التعليمي، ليهيئ معهم فصلًا جديدًا من العطاء، إنها اللحظة التي تستعيد فيها المدرسة نبضها التربوي، وتتجدد معها التطلعات لبناء جيل مسلح بالمعرفة والمهارات، وقادر على ركوب موجات المستقبل واقتناص فرصه.
ويعود إلى الميدان التربوي هذا العام أكثر من 68 ألف مُعلِّم ومُعلِّمة، يحملون في طيات عودتهم مسؤولية متجددة نحو الارتقاء بجودة التعليم، وتهيئة بيئات مدرسية محفزة تدعم التعلم، وتستجيب لاحتياجات الطلبة ومتطلبات العصر.
وعودة الكوادر التعليمية ليست مجرد استئناف روتيني للعمل، بل هي محطة استراتيجية لإعادة ترتيب الأولويات، ومراجعة الخطط الدراسية، وتنظيم الأدوار والمهام، واستكمال الجاهزية الشاملة لاستقبال الطلبة، وفي هذه المرحلة، تتكامل الجهود الإدارية والتربوية والمهنية لتوفير انطلاقة مُحكمة لعام دراسي جديد، يظل فيه المُعلِّم هو المحور الأساسي والصانع الأول للمشهد التعليمي.
وتأتي «الجاهزية المهنية» في صدارة هذه الاستعدادات عبر برامج الإنماء والتهيئة التي تستهدف مختلف الكوادر التربوية؛ حيث تتطرق إلى فلسفة التعليم في سلطنة عُمان، والتشريعات واللوائح المنظمة للعمل، ووثائق المناهج والتقويم، فضلًا عن تعزيز مهارات المستقبل.
ولم يعد التطوير المهني خيارًا جانبًا؛ بل ضرورة ملحة في ظل التحولات الرقمية والمتسارعة التي يشهدها العالم اليوم؛ فلم يعد دور المُعلِّم مقتصرًا على نقل المعرفة، بل أضحى شريكًا وموجهًا في بناء شخصية الطالب، وتنمية تفكيره النقدي، وتحفيز قدراته على الإبداع والتعلم المستمر، ومن هذا المنطلق، تتجه البرامج التدريبية إلى صقل الكفايات المهنية، وتوظيف التقنيات الحديثة أدواتٍ والذكاء الاصطناعي شريكًا، لتعزيز مهارات الابتكار والبحث التربوي، بما ينعكس إيجابًا على الممارسات التدريسية داخل الحجرات الدراسية.
ولا تكتمل هذه المنظومة إلا بجاهزية القيادات المدرسية والكوادر الإشرافية والإدارية، لما يضطلعون به من أدوار جوهرية في تمكين المُعلِّمين، ومتابعة الأداء، وتبادل الخبرات، وقيادة التغيير نحو الأفضل، بما يضمن جعل المدرسة بيئة جاذبة ومحفزة على التعلم.
ومع اكتمال الترتيبات، تتحول المدارس إلى خلية نحل تتقاطع فيها الجهود بكفاءة واقتدار، وبينما تكتمل التفاصيل التجهيزية، يظل الرهان الأكبر حاضرًا داخل الصف؛ حيث يلتقي المُعلِّم بطالبه، وتتحول الأهداف والخطط إلى معرفة حية، وتبدأ رحلة جديدة نحو بناء الإنسان وتشكيل المستقبل.
إنَّ عودة أكثر من 68 ألف مُعلِّم ومُعلِّمة ليست مجرد رقم إحصائي، بل هي عودة لخبرات وقامات تحمل أمانة يومية في بناء أجيال الوطن، وجعل المدرسة فضاءً متجددًا للنمو والإبداع، لتكون انطلاقة هذا العام الدراسي خطوة واثقة نحو تعليمٍ أكثر جودة، وممارساتٍ أكثر تطورًا، ونواتج تعلمٍ أعمق أثرًا.
