د. فاطمة بنت يوسف البلوشي **
تحمل زيارة السيدة الجليلة حرم جلالة السلطان المعظم- حفظها الله ورعاها- لجمعية المرأة العُمانية بصلالة، واطلاعها على ملتقى جمعيات المرأة العُمانية بمحافظة ظفار، دلالات تتجاوز إطار الزيارة البروتوكولية، لتقدم قراءة أعمق في مكانة المرأة العُمانية ودورها المتنامي في التنمية والعمل المجتمعي والاقتصادي.
اللقاء، بما تضمنه من اطلاع السيدة الجليلة على نماذج من الحرف التقليدية والمشغولات اليدوية النسائية والألعاب الشعبية، إلى جانب استعراض رئيسات الجمعيات لعدد من المبادرات والإنجازات التطوعية والمجتمعية والمشروعات النسائية، يعكس اهتمامًا مباشرًا بما تنتجه المرأة من أفكار ومشروعات ومبادرات ذات أثر ملموس في المجتمع.
ويمكن قراءة اهتمام السيدة الجليلة بالمشغولات والحرف والمشروعات النسائية باعتباره تأكيدًا على أن العمل الذي تقوده المرأة داخل المجتمع لم يعد نشاطًا جانبيًا، بل أصبح جزءًا من منظومة الإنتاج والاقتصاد المحلي؛ فالحرفة التقليدية التي تحافظ عليها المرأة، والمشروع المنزلي الذي تطوره، والفكرة التي تتحول إلى منتج، جميعها تمثل حلقات في سلسلة اقتصادية يمكن أن تنمو لتصبح مشروعات مستدامة متى ما توافرت لها بيئة داعمة من التدريب والتسويق والتطوير والتمكين.
ومن هنا تبرز أهمية مثل هذه اللقاءات؛ لأنها تمنح المشروعات النسائية قيمة معنوية ومجتمعية كبيرة، وتسلط الضوء على صاحبات المبادرات، وتفتح المجال أمام تعزيز حضور منتجاتهن ومشروعاتهن في المشهد الاقتصادي والاجتماعي.
إنَّ حضور السيدة الجليلة بين عضوات جمعيات المرأة العُمانية واطلاعها المباشر على إنجازاتهن يحمل رسالة واضحة مفادها أن المرأة العُمانية تحظى بالتقدير لما تقدمه من إسهامات، وأن المبادرات التي تنطلق من المجتمع المحلي تستحق أن تُرى وأن تُدعم وأن تتطور.
وهذا النوع من الدعم المعنوي له انعكاس مهم على صاحبات المشروعات إذ يعزز لديهن الثقة بقيمة ما يقدمنه، ويدفعهن إلى الانتقال من نطاق المبادرات الصغيرة إلى التفكير بمفهوم أوسع يرتبط بالاستدامة والنمو والوصول إلى الأسواق.
كما تكشف الزيارة عن تطور الأدوار التي تقوم بها جمعيات المرأة العُمانية؛ فلم تعد رسالتها محصورة في النشاط الاجتماعي التقليدي، وإنما أصبحت فضاءات يمكن من خلالها اكتشاف المواهب، وتأهيل صاحبات المهارات، ودعم المشروعات المنزلية والحرفية، وبناء المبادرات المجتمعية، وتمكين المرأة من توظيف قدراتها في مسارات اقتصادية منتجة.
وهنا يصبح دور الجمعيات أكثر أهمية في المرحلة المقبلة من خلال الانتقال بالمشروعات النسائية من مرحلة الإنتاج المحدود إلى بناء العلامة التجارية، والتسويق الرقمي، والتجارة الإلكترونية، وتحسين جودة المنتجات، وربط صاحبات المشروعات بالأسواق والجهات الداعمة والفرص الاستثمارية.
ومن اللافت أن جانبًا من المعروضات التي اطلعت عليها السيدة الجليلة يرتبط بالحرف والموروث العُماني، وهذه الجزئية تحمل دلالة مهمة؛ فدعم المشروع النسائي لا يرتبط فقط بتحقيق دخل اقتصادي، وإنما يمكن أن يكون وسيلة لحماية الهوية الثقافية ونقل التراث إلى الأجيال القادمة بأساليب حديثة؛ فالمرأة العُمانية التي تحول مفردات التراث إلى منتجات قابلة للتسويق لا تحافظ على الموروث فحسب، وإنما تمنحه حياة اقتصادية جديدة، وتربط بين الأصالة والابتكار وريادة الأعمال.
والقراءة الأوسع لهذا اللقاء تشير إلى أن تمكين المرأة لا يتحقق فقط من خلال البرامج والسياسات، وإنما يبدأ كذلك بالاعتراف بجهودها والاقتراب من تجاربها والاستماع إلى قصص نجاحها وإبراز ما تصنعه.
وعندما تحظى المشروعات النسائية بهذا المستوى من الاهتمام والتقدير، فإن الرسالة تصل إلى كل امرأة عُمانية تمتلك فكرة أو مهارة أو مشروعًا أن ما تصنعه له قيمة، وأن طموحها يستحق أن يتحول إلى فرصة، وأن مشاركتها الاقتصادية والمجتمعية جزء أصيل من مسيرة التنمية في سلطنة عُمان.
ومن هنا يمكن النظر إلى لقاء السيدة الجليلة بجمعيات المرأة العُمانية باعتباره أكثر من مناسبة اجتماعية؛ فهو رسالة تقدير للمرأة المنتجة، ودعم للمبادرة النسائية، وتشجيع للمشروع المحلي، وتأكيد على أن الاستثمار في قدرات المرأة هو استثمار في الأسرة والمجتمع والاقتصاد الوطني معًا.
وفي كل مشروع نسائي تنمو فكرته، وكل حرفة عُمانية تجد طريقها إلى السوق، وكل مبادرة تتحول إلى أثر مستدام، تتجسد صورة المرأة العُمانية التي تحافظ على هويتها، وتبني حاضرها، وتسهم بثقة في صناعة مستقبل وطنها.
وفي أكاديمية المرأة العُمانية، نعتزُ بدورنا في تقديم الدعم المعرفي والتأهيلي لرائدات الأعمال والمشروعات النسائية المنتسبة إلى جمعيات المرأة العُمانية إيمانًا منا بأهمية تمكين المرأة بالمعرفة والمهارات التي تعزز استدامة مشروعاتها وقدرتها على النمو والمنافسة.
ونسعى من خلال برامجنا التدريبية إلى الإسهام في تطوير قدرات صاحبات المشروعات، ومساندتهن في مجالات ريادة الأعمال، والتسويق، والتحول الرقمي، والابتكار، بما يسهم في تحويل الأفكار والمشروعات الواعدة إلى نماذج اقتصادية أكثر استدامة وأثرًا في المجتمع والاقتصاد الوطني.
** المدير التنفيذي لأكاديمية المرأة العُمانية
