بين صخب الأرقام وهدوء اللحن: كيف نستعيد توازننا العاطفي؟

 

 

 

 

علياء بنت عبدالله البريكية

aliaaabdullah712@gmail.com

 

في غمرة هذا العصر الذي تلتهم فيه الشاشات والبرمجيات كل لحظة من وقت أطفالنا، أصبح جيل اليوم يبدو غارقًا في عالم رقمي بارد ومتحجر.

إنهم يعيشون وسط سيل هائل من المعلومات، لكنهم في الوقت ذاته يعانون من وحدة خفية، وضغوط يومية متراكمة، واغتراب عاطفي يفصلهم عن جوهرهم الإنساني. لقد انصبت كل اهتماماتنا وتفكيرنا في الآونة الأخيرة على الجوانب التقنية البحتة، متناسين في زحمة انشغالاتنا تلك المساحات الهادئة التي كانت يومًا ما ملاذنا، والتي تُعيد للإنسان توازنه النفسي والداخلي، وتمنحه القدرة على مُواجهة قسوة الحياة بيقين وسلام.

حين تتأمل واقعنا اليوم داخل غرف الصف، ستلمس بوضوح حجم الضغوط التي يحملها الطلبة على أكتافهم؛ بدءًا من سعي محموم وراء الدرجات، وصولًا إلى قلق مُبهم حول المستقبل. وفي ظل هذه الأجواء، تفتقر بيئتنا المدرسية غالبًا إلى ملاذٍ حقيقي يفرغ هذه الشحنات ويمنح النفس سكينةً افتقدناها.

هنا بالتحديد، أجد في الموسيقى ما يُشبه العلاج الوجداني؛ فهي ليست مجرد مادة أو علم يُلقن، بل هي "لغة شعورية" تخاطب القلب مباشرة، وتتسلل إلى أعماق الروح لتخفف من حدة التوتر الذي ينهش في عقول أبنائنا. إن الاستماع الواعي، أو حتى العزف مع الأقران، يمنح الطالب مساحة حرة للتنفس بعيدًا عن صخب الحياة، دون الحاجة إلى التمسك بقيود الكلمات.

لقد أثبتت تجارب عالمية نجاحًا لافتًا في هذا المسار؛ فالنموذج الفنلندي، على سبيل المثال، وضع الرعاية النفسية والتعليمية في كفة واحدة، معتبرًا الفنون والموسيقى خط دفاع أول ضد القلق، يفرغ توتر الطلبة بفعالية لم تكن متوقعة. ولا يقف النجاح عند حدود فنلندا، إذ تتبنى كوريا الجنوبية برامج مكثفة تستخدم الموسيقى كأداة علاجية لتخفيف ضغوط الدراسة القاسية، مما ساعد في تحقيق استقرار نفسي ملموس للطلبة. وحتى على مستوى منطقتنا، لم نكن بمعزل عن هذا التوجه؛ فالمبادرات التعليمية في سلطنة عُمان تقدم اليوم أمثلة ملهمة على دمج الأنشطة الوجدانية والفنية في البيئة المدرسية، مما أحدث أثرًا إيجابيًا ملموسًا في تخفيف الضغوط العاطفية عن كاهل طلابنا.

من واقع خبرتي ومتابعتي الميدانية، أيقنتُ أنَّ الذكاء العاطفي لا ينمو في عزلة. الموسيقى بطبيعتها التشاركية تفتح لنا بابًا نادرًا للتفاعل الراقي. حين يجتمع الطلبة في فريق أو نشاط موسيقي، هم لا يقضون وقتًا فارغًا، بل يمارسون ما أسميه "فن الإنصات". لكي يخرج اللحن متناغمًا، يجب على كل طالب أن يستمع لزملائه، ويحترم إيقاعهم، ويدرك متى يرفع صوته ومتى يصمت. هذا الدرس اليومي يغرس في النفوس روح التعاون، والقدرة على قراءة مشاعر الآخرين بصدق، مما ينقذ أبناءنا من الوحدة الفردية التي تفرضها علينا التكنولوجيا.

وعلى مستوى الشخصية، تعمل الموسيقى كجسرٍ خفي يذيب الجليد بين الأجيال ويخلق لغة مشتركة. حين يعيش الطالب تجربة اللحن المشترك، فإنه يتدرب عمليًا على تقبل اختلاف الآخرين، وتوظيف طاقته في مسارات بناءة تحميه من الفراغ الروحي. إنها صمام أمان ينمي في الشباب الذوق الرفيع والحس النقدي.

تخيَّل لو أننا خففنا قليلًا من هذا الضجيج الرقمي، وأغلقنا تلك الشاشات التي تحاصرنا لساعات، لنكتشف أن ما يحتاجه عقل الطالب ليس مزيدًا من الصخب أو الأعباء، بل يحتاج إلى "واحة" داخلية تروي ظمأه. نحن نعد أبناءنا لمستقبل طويل، لكننا يا للأسف نتركهم دون درع يحميهم من قلقهم واضطراباتهم.

إنَّ صناعة جيل واعٍٍ ومترابطٍ لا تتحقق بجمع المعلومات وحدها، بل من خلال إيقاظ تلك الحواس المشتركة التي تربط البشر ببعضهم بلغة تنبض بالإحساس والتفاعل الحي. عندما نمنح أبناءنا مساحات حقيقية للتذوق والتعبير الجماعي، فإننا نفتح أبوابًا للسلام الداخلي والتواصل العميق، لنترك أثرًا باقيًا يرافقهم في كل خطوة، ويمهد لهم طريقًا نحو مستقبل أكثر دفئًا وتوازنًا.

** مشرفة مهارات موسيقية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z