تحقيق التوازن بين حقوق حملة الوثائق والمساهمين

 

 

 

 

مرتضى بن محمد جواد الجمالاني **

 

تستحق قضية حوكمة شركات التأمين التكافلي وحقوق حملة الوثائق والمُساهمين، الدراسة من الجوانب القانونية والرقابية والمحاسبية والشرعية، خاصة في ظل اختلاف نماذج وممارسات التكافل من دولة إلى أخرى.

أولًا: حقوق حملة الوثائق والحوكمة

هل تتم دعوة حملة الوثائق في شركات التأمين التكافلي وحضورهم اجتماعات الجمعية العامة السنوية للمساهمين، وخاصة عند مناقشة واعتماد الحسابات الختامية والقوائم المالية؟

وإذا لم يكن ذلك معمولًا به، فما الآليات التي تضمن لحملة الوثائق حماية حقوقهم ومصالحهم، والاطلاع بشفافية على نتائج أعمال صندوق التكافل والفائض التأميني وكيفية إدارته؟

فنموذج التكافل يختلف عن التأمين التقليدي، حيث توجد علاقة اقتصادية واضحة بين المساهمين وحملة الوثائق، ولكل طرف حقوق والتزامات تختلف بحسب طبيعة أموال المساهمين وأموال عمليات التأمين وصندوق التكافل.

ومن هنا، فإنَّ مبادئ الحوكمة ينبغي أن تراعي بوضوح الفصل بين حقوق وواجبات المساهمين وحقوق وواجبات حملة الوثائق، وأن تضمن الشفافية والإفصاح والرقابة على أموال صندوق التكافل، إلى جانب وضوح مسؤوليات مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية والجهات الشرعية والرقابية ذات العلاقة.

ثانيًا: الغرامات والعقوبات الرقابية

تفرض الجهات الرقابية على شركات التأمين غرامات مالية نتيجة رصد مخالفات متنوعة، وهو إجراء رقابي مهم لحماية سوق التأمين وتعزيز الالتزام والحوكمة.

لكن هنا يبرز سؤال مهم يستحق النقاش: من يتحمل الأثر المالي النهائي لهذه الغرامات؟ ومن أي حساب تُسدد؟ وهل يتم الإفصاح عنها بوضوح للجمعية العامة ولحملة الوثائق؟

وتزداد أهمية هذا السؤال في نموذج التأمين التكافلي، حيث توجد أموال وحقوق مختلفة لكل من المساهمين وحملة الوثائق.

فإذا كانت الغرامة ناتجة عن خطأ أو تقصير إداري أو مخالفة من الإدارة التنفيذية أو مجلس الإدارة، فهل من العدل أن ينعكس أثرها بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أموال حملة الوثائق أو على الفائض التأميني؟ أم ينبغي أن تتحمل مسؤوليتها الجهة أو الإدارة التي تسببت فيها، وفقًا للقوانين واللوائح ومبادئ المسؤولية والحوكمة؟

ومن منظور الحوكمة، فإن المسألة لا تقتصر على دفع الغرامة، وإنما تمتد إلى الإفصاح والشفافية والمساءلة، وذلك من خلال بيان قيمة الغرامات، وأسبابها، وطبيعة المخالفة، وكيف تمت معالجتها محاسبيًا، وما إذا كان لها أثر على أموال المساهمين أو أموال حملة الوثائق.

لذلك أقترحُ أن يكون هناك إفصاح مستقل وواضح عن الغرامات والعقوبات الرقابية ضمن التقارير السنوية والقوائم المالية، مع تحديد مصدر السداد وأثرها المالي، حتى تتمكن الجمعية العامة وحملة الوثائق والجهات الرقابية من تقييم مستوى الحوكمة والمسؤولية داخل شركة التأمين.

ثالثًا: سياسة توزيع الفائض والأرباح

إن الوصول إلى إطار واضح للحوكمة سيساعد كذلك في تنظيم سياسة توزيع الفائض والأرباح، وتحديد حقوق كل طرف بصورة عادلة وشفافة، سواء حملة الوثائق والمشتركين أو المساهمين وأصحاب رؤوس الأموال.

ومن المهم أن تكون هناك قواعد واضحة ومعلنة تحدد مصدر الفائض، وكيفية احتسابه، وأسس توزيعه، والجهة صاحبة القرار، وآلية الاستحقاق، مع مراعاة طبيعة صندوق التكافل والفصل بين أموال حملة الوثائق ورأس مال المساهمين.

رابعًا: الاستفادة من التجارب الإقليمية والدولية

هناك ممارسات ونماذج مختلفة في عدد من دول المنطقة في التعامل مع شركات التكافل وحقوق حملة الوثائق وآليات الحوكمة والإفصاح.

كما أن سوق التأمين في المملكة العربية السعودية يشهد تطورات وإعادة هيكلة تنظيمية، مما يوفر فرصة مهمة لدراسة التوجهات التنظيمية والرقابية ومقارنتها بالممارسات المعمول بها في الأسواق الأخرى، بما فيها السوق الماليزي والأسواق الخليجية.

وأقترحُ أن تبدأ الخطوة الأولى من خلال الاجتماع مع المدققين الحسابيين والمختصين في قطاع التكافل للتعرف على الممارسات الفعلية في السوق الماليزي، ومقارنتها بالممارسات المطبقة في الأسواق الخليجية والسعودية، وعدم الاكتفاء بدراسة النصوص واللوائح، بل بحث كيفية تطبيقها عمليًا.

ومن خلال هذه المقارنة يمكن الوصول إلى أفضل الممارسات في حوكمة شركات التكافل، بما يحقق التوازن بين مصالح حملة الوثائق والمساهمين، ويعزز الشفافية والمساءلة وحماية أموال المشتركين. كما أن وضوح قواعد الحوكمة، وتحديد الحقوق والالتزامات، وتنظيم سياسة توزيع الفائض والأرباح، والإفصاح عن الغرامات والعقوبات، كلها عوامل من شأنها أن تعزز الثقة في قطاع التكافل وتجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتشجع رؤوس الأموال على الاستثمار والتوسع في هذا القطاع.

والسؤال الجوهري للمناقشة: إذا كانت الغرامة نتيجة خطأ إداري أو تقصير أو مخالفة، فمن يتحمل تكلفتها الاقتصادية النهائية: المساهمون، أم حملة الوثائق، أم الإدارة المسؤولة عن المخالفة؟ وهل ينبغي أن تكون هناك قواعد تنظيمية واضحة وموحدة تحدد ذلك وتضمن عدم تحميل طرفٍ تكلفة خطأ ارتكبه طرف آخر؟

إنَّ هذه المسألة ليست محاسبية فقط، وإنما هي في جوهرها مسألة حوكمة وعدالة وشفافية وحماية لحقوق جميع الأطراف في منظومة التأمين التكافلي. وأرى أن دراسة هذه الموضوعات بصورة متكاملة، والاستفادة من التجارب الماليزية والسعودية والخليجية، يمكن أن تساعد الجهات التشريعية والإشرافية والرقابية على تطوير إطار أكثر وضوحًا وعدالة واستدامة لقطاع التكافل.

** خبير التأمين، وباحث اقتصادي مُتخصِّص

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z