خليل الهوتي
استثمرت سلطنة عُمان خلال العقود الماضية في بناء منظومة من الموانئ والمناطق الاقتصادية والبنية الأساسية اللوجستية التي أصبحت اليوم من أهم الأصول الاقتصادية للبلاد. ولم تعد موانئ صحار وصلالة والدقم مجرد منافذ للاستيراد والتصدير، بل أصبحت جزءًا من مشروع وطني أوسع لتنويع الاقتصاد وتعزيز ارتباط عُمان بالتجارة العالمية.
والأرقام تؤكد حجم ما تحقق، فبحسب أحدث البيانات المنشورة من وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، ناولت الموانئ العُمانية خلال عام 2025 أكثر من 143 مليون طن من البضائع، مُقارنة بنحو 137 مليون طن في عام 2024، فيما تجاوزت مناولة الحاويات 5.1 مليون حاوية نمطية، مقابل 4.2 مليون في العام السابق. وتشير بيانات الوزارة كذلك إلى أن حجم الاستثمار في قطاع النقل واللوجستيات بلغ نحو 3.4 مليار ريال عُماني في عام 2025.
هذه أرقام مهمة، وتعكس قاعدة قوية تم بناؤها. لكن المرحلة المقبلة تستحق أن نطرح سؤالًا مختلفًا: كم من القيمة الاقتصادية تبقى داخل الاقتصاد العُماني؟
والاقتصاد البحري لا يُقاس فقط بعدد السفن التي تصل إلى الميناء، ولا بأطنان البضائع والحاويات التي تتم مناولتها. فالسفينة التي تدخل الميناء تأتي معها سلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية: الوكالات الملاحية، وإدارة السفن، والصيانة والإصلاح، والتزويد، والتصنيف والمسح البحري، والتأمين والتمويل، والخدمات القانونية، والتدريب، والتكنولوجيا البحرية وإدارة الطواقم وغيرها.
والسؤال هنا: كم من هذه الخدمات يُقدَّم من داخل عُمان؟
فكل خدمة تقدم محليًا تعني قيمة اقتصادية تبقى في البلاد، وشركة عُمانية يمكن أن تنمو، ومؤسسة صغيرة أو متوسطة يمكن أن تدخل سلسلة الإمداد، ومعرفة تتراكم، ووظيفة يمكن أن يشغلها عُماني.
وهنا تحديدًا يمكن للقطاع البحري أن يؤدي دورًا أكبر في أحد أهم التحديات الوطنية: توفير فرص عمل نوعية ومستدامة للشباب العُماني؛ فالوظيفة البحرية ليست بالضرورة وظيفة على ظهر سفينة، مع أن العمل في البحر نفسه يمثل فرصة كبيرة ينبغي ألا نقلل من أهميتها. ويُقدِّر تقرير القوى العاملة البحرية لعام 2026- الصادر عن BIMCO والغرفة الدولية للملاحة (ICS)- العجز الحالي في الضباط البحريين المؤهلين عالميًا بنحو 39 ألف ضابط، ويتوقع حاجة الأسطول التجاري العالمي إلى أكثر من 113 ألف ضابط إضافي بحلول عام 2030.
وهذا يفتح سؤالًا مهمًا: هل يمكن أن يكون تأهيل الشباب العُماني للعمل في البحر جزءًا من استراتيجيتنا الوطنية للتوظيف، ليس لتلبية احتياجات السوق المحلي فقط، وإنما للمنافسة في سوق عمل بحري عالمي يحتاج إلى الكفاءات؟
والفرصة لا تتوقف عند السفن. فالاقتصاد البحري الحديث يحتاج على اليابسة أيضًا إلى مهندسين ومحاسبين ومحامين ومتخصصين في التأمين والتمويل والبيانات والأمن السيبراني والاستدامة والمشتريات وإدارة العمليات، إلى جانب الربابنة والمهندسين البحريين والفنيين.
وتظهر المؤشرات أن هناك قاعدة يمكن البناء عليها. فبحسب البيانات المنشورة من وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، بلغت نسبة العُمانيين في الوظائف الفنية والتخصصية والقيادية في قطاع النقل واللوجستيات نحو 59% في عام 2025. وهذا مؤشر جيد، ولكن الطموح ليس فقط في إحلال القوى العاملة الوطنية في الوظائف الموجودة، وإنما في خلق أنشطة بحرية جديدة تنتج وظائف جديدة من الأساس.
وهنا يمكن النظر إلى تجربة سنغافورة، ليس بهدف استنساخها، فلكل دولة ظروفها، وإنما لفهم الفكرة. فبحسب هيئة الملاحة والموانئ السنغافورية (MPA)، تستضيف سنغافورة أكثر من 200 مجموعة شحن دولية ضمن تجمع بحري لا يقتصر على تشغيل السفن والموانئ، بل يمتد إلى التمويل والتأمين والتحكيم والخدمات القانونية والتكنولوجيا والخدمات البحرية المتخصصة.
لقد أنجزنا جزءًا مهمًا وصعبًا من المهمة: بناء الموانئ والأصول والبنية الأساسية. وربما تكون المرحلة التالية هي الانتقال بصورة أكثر تركيزًا من تطوير الميناء إلى تطوير الاقتصاد الذي يعيش حول الميناء.
وهذا يتطلب أن ننظر إلى كل سفينة تدخل المياه والموانئ العُمانية باعتبارها فرصة اقتصادية: ما الخدمات التي يمكن أن تشتريها هنا؟ وما الشركات العُمانية التي يمكن أن تخدمها؟ وما المعرفة التي يمكن أن نستقطبها؟ وكم وظيفة يمكن أن تنشأ نتيجة لذلك
وربما علينا، ونحن نقيس نجاح قطاعنا البحري، ألا نكتفي مستقبلًا بعدد السفن والحاويات والأطنان، بل نسأل أيضًا: كم تبلغ القيمة المحلية التي يولدها القطاع؟ كم شركة بحرية متخصصة تعمل من عُمان؟ وكم وظيفة نوعية خلقها؟ فالطموح لا ينبغي أن يكون أن تمر التجارة العالمية عبر موانئنا فحسب، بل أن تترك جزءًا أكبر من قيمتها ومعرفتها وفرصها في عُمان.
الدولة البحرية لا تصبح كذلك بكثرة الموانئ وحدها، بل بمقدار القيمة التي تستطيع أن تصنعها حول البحر.
