ناصر أبوعون
لا سبيل إلى تحليل هذه المنظومة الشعريّة إلا بتطبيق مبادئ النظرية الأسلوبيّة؛ فالشاعر صالح بن عيسى بن صالح بن عامر الطائيّ، لم يكتفِ بتصوير وقائع أحداثها، التي دارت في جمهورية الهند بصحبة أخيه الشيخ القاضي هاشم بن عيسى، بعد أن أعوزتهما ظروف طارئة إلى المال، فلمْ يجِدا بُدًا من الإبراق لأخيهما الشيخ حمد بن عيسى في (مسقط)؛ ليُرسلَ إليهما بمَدَدٍ من عنده. وبدلًا عن تركيز الشاعر على سرد خبر الحادثة، تحوّل بها من واقعة يوميّة إلى تجربة إنسانيّة واجتماعية صاغها في في صورة خِطاب شِعريّ سلس العبارة، وظَّفَ فيه التراكيب والألفاظ والصور البيانيّة؛ وشحنها بعاطفة وجدانيّة جيّاشة، ومزج فيها بين أغراض المديح، والامتنان، والدعاء، فأبانَ عن موقفه النفسيّ وخلّف تأثيرًا في جمهور المتلقين.
مناسبة القصيدة
أمّا عن مناسبة هذه القصيدة؛ فقد ذكر الشاعر صالح بن عيسى في معرض تقديمه لها حاكيًا: "قُلتُ هذا القريض من الشعر في فندق (دي ماركس) لمَّا انقصرت على أخي هاشم بن عيسى النقود، التي أتى بها إلى (مومبي)، وطلب من أخينا (حمد بن عيسى) أن يبعث إليه بعشرة آلاف روبية هنديّة عاجلًا غير آجل، فحالًا أرسلها إليه، وقد طرقته أمور ممَّا أَلْجَأه إلى أخذِ عشرين ألف روبيّة هنديّة.. أعانه الله وسَدَّدَ أموره فقلت في ذلك قريضًا".
التحليل الأسلوبيّ
لن ينصب اهتمامنا في هذا التحليل على الإجابة على سؤال: ماذا قال الشاعر صالح بن عيسى الطائي في هذه المنظومة، وإنّما سنحاول الإجابة تحديدًا على ثلاثة أسئلة: ما الأثر الانفعالي الذي تركته الشاعر في نفوس المتلقين؟ ولماذا وقع اختيار الشاعر على هذا الأسلوب في بناء منظومته؟ وكيف صاغها الشاعر وزنًا وقافيةً وإنشاءً وخبرًا؟ مع الأخذ في الاعتبار أنّ اللغة ليست محايدة في نقل الأفكار والمعاني، وإنّما ترتكز في بنيتها على شِحنات انفعالية، وطاقة وجدانية، وتكشف عن موقف الشاعر من الأحداث والأشخاص.

الطبيعة التعبيريّة
مع القراءة الأولى هذه المنظومة الشعريّة سنكتشف أن الشاعر تقلّب بين أنماط تعبيريّة عِدّة، بل أَطَّرَ الحدثَ الرئيس فيها بِطاقة وجدانيّة وصَبَّه في مجموعة من القيم الإنسانيّة؛ تمثّلت في وصف أخيه حمد بن عيسى الطائيّ بصورة أخلاقية جمعت بين:(المروءة، والكرم، والوفاء، والشجاعة)، وسيكتشف معنا القارئ المتأمّل في بِنية القصيدة: كيف انتقل الناظم في خطابه الشعريّ من (خبر الواقعة إلى سرد الأحداث، ثم الحوار بشقيه (المنولوج مع الذات)، و(الديالوج مع الآخر)، ثم انتقل إلى غرض المديح، وانتهى بغرض الدعاء والتحيّة، ثم ختمها بالصلاة على النبيّ محمد – صلى الله عليه وسلّم-
مبدأ الاستبدال والاختيار
لوحظ أن الألفاظ التي اختارها الشاعر صالح بن عيسى في بناء تراكيبه الشعريّة تحمل شحنات عاطفية عالية، وترتكز على الإيحاء هروبًا من المعنى المعجميّ الجامد؛ فكان اختياره لألفاظ ذات دلالات إيجابيّة كشفت عن مكنون ذاته للقراء محمّلة بقيم النجاح والتكريم والعطاء والوفاء والفرح والكرم؛ ومن نماذج هذه الألفاظ: (موفّق، مظفّر، معزّز، مكرّم، الكرامة، الكريم، الوفاء، البشاشة، مبشّرًا، بشير، بُشرى)، كما جاءت افتتاحية القصيدة موفقّة في الدلالة؛ فقوله: (بشرى فقد جاء البشير مبشِّرًا) أفضل من قوله المباشر:(جاء الرسول بالخبر)؛ لأنّ الصيغة الأولى ضاعفت القيمة الانفعاليّة للخبر، بل صنعت ما يسمّى أسلوبيّا بـ(تكثيف الدال)، حيث تكررت المادة المعجميّة (ب، ش، ر)، وانضغطت في مساحة لغوية صغيرة للغاية، ومع هذا الانضغاط تكثَّف الإحساس بالفرح في جسد الخبر، ويمكن صياغته في هذه المعادلة:(خبر سار+ فرح نفسي+ توقّع للخبر= إحساس بالامتنان).
ويأتي اختيار الشاعر للألفاظ الدالة على الكرم ليكشف لنا عن موقفه من شخصية الممدوح أخيه حمد بن عيسى، فتكرار مادة (الكرم) بلفظها وبمعناها في صور مُتعدّدة (نصيب أوفر، زاد المتجر، حاتم، بحر يجود، الكريم، عنبر) كان هدفه ترسيخ قيمة الكرم في ذهن المُتلقين، ثم جاء التكرار كوظيفة تعبيريّة للمساواة بين الفاعل والمفعول في منظومة القيم الأخلاقية في قوله: (إنّ الكريم على الكريم مُيسِّر)، وبذلك تحوَّل فعل (الكرم الفرديّ) إلى قيمة أخلاقية عامة. هذا فضلًا عن اختيار الشاعر لبعض الأسماء، وإبرازها وتسليط الضوء عليها، مما أسهم في تحوّل القصيدة من خطاب عام إلى رسالة اجتماعيّة حميميّة؛ فذكر لنا: (أخويه: القاضي هاشم، ورجل الأعمال حمد، وأبناءه: سعود ونجيب ومحمد، وزجته أمّ عيسى، وأخته أمّ مازن زوجة الأديب عبدالله الطائيّ، ومازن عبد الله الطائيّ)، وهذه الشبكة من العلاقات العائلية أضفت على القصيدة طابعًا وجدانيًّا وتوثيقيًّا؛ فالشاعر هنا لا يتحدث بصورة مجردة عن أخيه حمد بن عيسى كرجل كريم، بل أحال اسمه من مجرد (إشارة اجتماعيّة) إلى (علامة اجتماعية
Brand) على المحبة والاعتراف بالجميل.
وعلى منحىّ آخر جمع الشاعر صالح بن عيسى الطائيّ في إهاب معجميّ واحد بين الألفاظ التراثية، والألفاظ الحديثة، وكان من أكثر مظاهر اختيار هذه الألفاظ إثارة في القصيدة جمعه بين ألفاظ ذات طابع تراثي فخم، مثل: (فرقدين، عنتر، حاتم، منبر، النبي) وألفاظ حديثة مرتبطة بالتواصل الإداريّ والتَّقْنِيّ، مثل:(التيليكس، كارت، المتجر، الحقيبة)، وهذان مستويان لُغويّان يعكسان طبيعة التجربة الشعرية لدى الشاعر؛ فالحدث معاصر؛ ولكنه عبّر عنه بلغة شعرية وتراثية، بل انطوت القيمة التعبيريّة لهذا الاختيار الذي استعار فيه معجم الشجاعة والكرم التُّراثِيَينِ؛ ليمنح فعلًا اجتماعيًا معاصرًا قيمة أخلاقية كبرى.
توزيع الألفاظ والتراكيب
الملفت للنظر أنّ بِنية القصيدة هنا لا تقوم على نمط تعبيريّ واحد، بل خطاب شعريٍّ متدرّج، بالإضافة إلى ارتكازها في توزيع الألفاظ على فكرة ربط الألفاظ مع بعضها في نسيج واحد يربط وشائج المعنى داخل الجملة النحويّة، ثم يربط الألفاظ والجمل في نسيج البيت الشعريّ الواحد، الذي هو وحدة القصيدة. وبتتبّع أنماط توزيع الألفاظ والتراكيب داخل متن القصيدة رصدنا ثلاثة أنماط، هي: [التوزيع السرديّ، والتوزيع الحواريّ، والتوزيع التكراريّ]؛ فأمّا [التوزيع السَّرديّ] فنجده في مطلع القصيدة، وجاء ليمنحها حركة داخلية، وكأنّنا أمام مشهد مسرحيّ، والمتلقي يجد نفسه في قلب الحدث، ويتابعه خطوة خطوة؛ على هذا النحو:(فقد جاء البشير)، ثم (مستأذنا حرس المقام وطالبًا)، ثم (وأمام حرس المقام تبخترا). إذن نحن أمام سلسلة من الأفعال المتتابعة: (جاء، استأذن، طلب، أتى، تحيّر، بشّر، تفاصح، جرى الحديث، فتح الحقيبة، طلب الزيادة، أعانه المولى...). ثم نكتشف كيف تحوّل هذا التوزيع في القصيدة من السرد إلى الحوار عبر ما يُسمى بـ [التوزيع الحواريّ] وهذا التحوّل مهم أسلوبيًا؛ لأن الحوار أسهم في تقريب المسافة بين الشاعر والمتلقي، وجعل الحدث أكثر حيوية في قوله:(إني لهاشم قد أتيت مخبرا)، ثم(قل ما تشاء ولو تريد المتجرا)، ثم (إني مطيع للأوامر كلها)، فضلًا عن خلق شبكة من العلاقات بين (الأنا والآخر) عبر توظيف ضمير المتكلم:(إني، أتيتُ، مني، عذري) وضمير المخاطب:(أنت، لك، قل، أنت الوفيّ)؛ وهذه الشبكة هي أساس التعبير الوجدانيّ؛ فالشاعر لم يتحدث من موقع الراوي المحايد، وإنما تَدَخَّل في الحدث وأقام علاقة مباشرة مع الممدوح أخيه الشيخ حمد بن عيسى، وأمّا [التوزيع التكراريّ] فنجده في توزيع الشاعر للصفات المتتابعة من قوله:(الكريم على الكريم، أخا المعالي مكرما ومعزَّزا.. ومظفَّرا.. وموفَّقا)، وهذا التوزيع أدّى وظيفة تعبيرية ساهمت في تراكم المديح، بل أصبح الدعاء أشبه بالموجة الوجدانية المتصاعدة.
مبدأ الانزياح والعدول
هذا المبدأ يؤكد على كثافة ثيمة الإبداع والإيحاء داخل متن القصيدة بخروجه عن المألوف. وهنا يمكننا رصد ثلاثة أنوع من الانزياح: [الانزياح الاستعاريّ]، و[الانزياح التشبيهيّ والتراثيّ]، و[الانزياح الثقافيّ التضمينيّ]؛ فأمّا [الانزياح الاستعاريّ] ففيه تحوّل الشاعر عن اللغة المعيارية المباشرة، ومن أبرز مظاهره قول الشاعر: (فأبا محمد لا تزال لصالحٍ/ بحرًا يجود وبالكرامة عنبرا)؛ فلم يقل: (أنت معطاء وكريم)؛ وذلك حتى تتسع الدلالة من فعلٍ محدود إلى عطاء لاينفد، ثم أضاف قوله: (وبالكرامة عنبرا) فجمع بين (البحر والعنبر)، وهي صورة مركبة جعلت من الممدوح أخيه حمد بن عيسى مصدرًا للقيم والخير. وأمّا [الانزياح التشبيهيّ والتراثيّ] فنجده في قول الشاعر:(أنت الوفيّ وفي الكرامة حاتمٌ/ ليثٌ يجول وفي البسالة عنترا)، وفيه ابتعد الشاعر عن الوصف المباشر؛ فلم يقل:(أنتَ كريم وشجاع)، بل استدعى من التراث شخصية (حاتم الطائيّ) مضرب المثل في الكرم، وشخصية (عنترة العبسيّ) مضرب المثل في الشجاعة، وفي الوصفين تحقق تكثيف للدوال خدمةً للمدلولات. وأمّا[الانزياح الثقافيّ التضمينيّ] فقد استثمر الشاعر من خلاله ذاكرة الثقافة العربية، فأدار ظهره للغة المباشرة واستدعى (صورة الفَرْقَدَيْنِ) وهما: (النجم القُطبي)، و(النجم جاما) حارسا القطب الشماليّ، ويُضرب بهما المثل في العلو والرفعة والعلو، إشارة إلى العلاقة القائمة على الانسجام والتآلف بين أخويه: حمد وهاشم، فضلًا عن إنّ العلاقة السماوية تآزرت مع العلاقة الإنسانية فأضفت على قيمة الأخوة في الدَّم بُعدًا جماليا وإيحائيًّا.
ويبقى القول.. إنّ الأسلوب الشعريّ في هذه القصيدة مَكَّنَ الشاعر صالح بن عيسى الطائيّ من تحويل واقعة اجتماعيّة محدودة إلى خطاب شعريّ عميق الدلالة، تضافرت فيه التراكيب الدعائية والرموز التراثيّة مع الألفاظ والصور الاستعارية، فرسّخت صورة أخيه الشيخ حمد بن عيسى الطائيّ كرمز للوفاء والكرم والمروءة في وعي المتلقين، وجسّدتْ موقفه الوجدانيّ من علاقة الأخوّة، وجاءت تطبيقًا للحديث النبويّ الشريف: {تَرى المُؤمِنينَ في تَراحُمِهم وتَوادِّهم وتَعاطُفِهم كمَثَلِ الجَسَدِ، إذا اشتَكى عُضو تَداعى له سائِرُ جَسَدِه بالسَّهَرِ والحُمَّى}[صحيح البخاري رقم6011 ].
