تضعضع السياسة المسيحية منذ الاستقلال: أسبابه وتأثيراته على لبنان (2-2)

 

 

 

جان يعقوب جبور

من الأسباب الأساسية لتضعضع السياسة المسيحية أيضًا تحوُّل الزعامة من مشروع سياسي إلى إرث عائلي في مراحل كثيرة؛ فقد لعبت عائلات مثل الجميل وشمعون وفرنجية وإده والمر وعسيران وغيرهم أدوارًا تاريخية، لكن استمرار النظام السياسي على قاعدة الزعامات المحلية والطائفية جعل تجديد النخب السياسية أمرًا صعبًا.

ولم تتمكن القوى المسيحية في مُعظم المراحل من بناء حزب أو تيار سياسي وطني واحد قادر على تجاوز المناطق والعائلات والانقسامات الشخصية. كما أن الهجرة المسيحية كان لها تأثير بالغ؛ فمنذ الحرب اللبنانية، ثم خلال أزمات ما بعد الحرب، هاجر عدد كبير من اللبنانيين المسيحيين إلى أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا وأفريقيا ودول الخليج. ولم تكن الهجرة مجرد خسارة ديموغرافية، بل خسارة لشريحة واسعة من الطبقة الوسطى والجامعية والمهنية، وهي الفئة التي كان يمكن أن تشكل رافعة لتجديد الحياة السياسية المسيحية والوطنية.

كذلك ساهم النظام الانتخابي الطائفي في إبقاء المسيحيين داخل دائرة المنافسة على المقاعد بدلًا من المنافسة على البرامج؛ فبدلًا من أن تكون المعركة الأساسية حول الاقتصاد والقضاء والسياسة الخارجية والإصلاح الإداري، غالبًا ما أصبحت المعركة حول من يمثل الطائفة ومن يملك القدرة على تأمين أكبر عدد من المقاعد المسيحية (وهنا يأتي التمثيل العددي وليس النوعي عند التيارات والأحزاب التي تعتبر أساسية في الشارع المسيحي كالتيار الوطني الحر وحزب القوات اللبنانية). وهكذا تحول مفهوم «التمثيل الصحيح» أحيانًا من وسيلة لتحقيق المشاركة السياسية إلى غاية سياسية بحد ذاته.

ولا يُمكن تجاهل أثر التدخلات الخارجية؛ فلبنان منذ الاستقلال لم يكن دولة معزولة عن صراعات المنطقة. كانت هناك علاقة تاريخية مع فرنسا والغرب، ثم تدخل أمريكي عام 1958، وحضور فلسطيني مُسلَّح، وتدخل سوري، واجتياح إسرائيلي عام 1982، ثم نفوذ إيراني لدعم نشاطات حزب الله كحركة مقاومة ضد العدو الصهيوني وخلق توازن في موازين القوى منذ نشأته. وقد تعاملت القوى اللبنانية، المسيحية وغير المسيحية، بدرجات مختلفة مع هذه القوى الخارجية. لكن المشكلة بالنسبة إلى السياسة المسيحية كانت أن جزءًا من قياداتها انتقل- في مراحل مختلفة- من خطاب الاستقلال والسيادة إلى البحث عن الحماية الخارجية؛ سواء من فرنسا أو الولايات المتحدة أو إسرائيل أو سوريا أو غيرها، الأمر الذي أضعف أحيانًا صورتها كقوة وطنية مستقلة.

ومن المفارقات أن المسيحيين الذين كانوا في بداية الجمهورية يعتبرون أنفسهم حُماة الدولة، وجدوا أنفسهم بعد الحرب في موقع الدفاع عن وجودهم السياسي داخل دولة ضَعُفَتْ مؤسساتها. ومع صعود حزب الله بعد انتهاء الحرب، وتنامي القوة السياسية والاقتصادية والأمنية للثنائي الشيعي، تراجع الوزن النسبي للموقع المسيحي في معادلة القوة الوطنية، رغم بقاء المناصفة الدستورية بين المسلمين والمسيحيين والتي لا تمثل الواقع الحقيقي غير أن المسيحيين أصبحوا لا يمثلون أكثر من ربع عدد المقيمين في لبنان. لكن تحميل حزب الله وحده مسؤولية تراجع السياسة المسيحية سيكون أيضًا قراءة ناقصة. فصعود قوة حزب الله ارتبط بعوامل إقليمية ومحلية، إلّا أن الانقسام المسيحي ساهم في تسهيل هذا الصعود السياسي. وعندما تتنافس القوى المسيحية على الرئاسة والحقائب والمقاعد، وتختلف حول السلاح والسياسة الخارجية والعلاقة مع سوريا وإيران والسعودية والغرب، يُصبح من الصعب إنتاج موقف مسيحي موحد حول مفهوم الدولة.

وتكمُن المشكلة الأعمق في أن جزءًا من الخطاب السياسي المسيحي بقي أسير سؤال «من هو الزعيم؟» بدلًا من الانتقال إلى سؤال «ما هو المشروع؟».

لبنان يحتاج إلى مشروع مسيحي حديث لا يقوم على الخوف من الآخرين، ولا على استعادة امتيازات الماضي، ولا على الارتهان للخارج، بل على بناء دولة مدنية قوية تحفظ المناصفة وتحمي الحريات وتضمن استقلال القضاء وتمنع احتكار السلاح والقرار من أي جهة كانت. وتراجع السياسة المسيحية لا يعني بالضرورة تراجع المسيحيين في لبنان، كما أن قوة المسيحيين لا ينبغي أن تُقاس فقط بعدد الوزراء والنواب؛ فالتاريخ اللبناني أثبت أن الدور المسيحي يكون أكثر تأثيرًا عندما يرتبط بمشروع الدولة، وأقل تأثيرًا عندما يتحول إلى صراع على الحصص.

ومن هنا، فإنَّ استعادة الدور المسيحي لا تحتاج إلى حرب جديدة ولا إلى زعامة جديدة بالضرورة؛ بل إلى إعادة تعريف السياسة المسيحية نفسها. لقد كان لبنان، في جوهر تجربته التاريخية، مشروعًا يقوم على التعدُّد والشراكة. وإذا أراد المسيحيون استعادة موقعهم الطبيعي في الحياة الوطنية، فإنَّ الطريق لا يمر عبر استعادة ما قبل 1975، ولا عبر مواجهة طائفة بأخرى؛ بل عبر استعادة فكرة الدولة التي كانت في صلب خطاب الاستقلال.

إنَّ القوة الحقيقية ليست في أن يكون المسيحي أقوى من المسلم، أو المسلم أقوى من المسيحي، بل في أن تكون الدولة أقوى من الجميع وليس استغلالها لمواقع مشبوهة وتغيير مبدأ الصديق من العدو والتعاطف مع الكيان الصهيوني كما هو الحال الآن.

وهنا تكمُن المفارقة التاريخية الكبرى: السياسة المسيحية في لبنان لم تتضعضع فقط لأن الآخرين أصبحوا أقوى، بل لأنها في مراحل عديدة فقدت القدرة على الاتفاق على تعريف موحد للمصلحة المسيحية والمصلحة اللبنانية في آنٍ واحدٍ. وبين بشارة الخوري عام 1943 وجوزاف عون عام 2025، تغيَّر لبنان ديموغرافيًا وسياسيًا وإقليميًا بصورة هائلة، لكن السؤال الأساسي بقي نفسه: هل يكون المسيحيون جزءًا من مشروع بناء دولة لجميع اللبنانيين، أم يبقون أسرى البحث عن زعيم يحمي طائفته في دولة عاجزة؟

الإجابة عن هذا السؤال ستُحدِّد، إلى حد بعيد، مستقبل السياسة المسيحية في لبنان؛ فإذا نجحت القوى المسيحية في تجاوز الحسابات العائلية والشخصية والطائفية وارتباط البعض بالكيان الصهيوني، وبناء مشروع سياسي يقوم على السيادة والدولة والاقتصاد والقضاء والحريات والعلاقات العربية والدولية المتوازنة، فقد يتحول التراجع الحالي إلى مرحلة إعادة تأسيس (وهنا الحاجة إلى نظام تأسيسي جديد لتحقيق هذه المقومات الوطنية). أما إذا استمرت الانقسامات، والارتهان للمحاور، وتحويل الرئاسة والمقاعد الوزارية والنيابية إلى جوهر المعركة، فإن التضعضُع لن يكون مجرد تراجع في النفوذ؛ بل قد يتحول إلى فقدان تدريجي للدور التاريخي الذي لعبه المسيحيون في تأسيس لبنان الحديث.

الأكثر قراءة

z