د. خالد بن علي الخوالدي
تابعتُ أخبارًا في مواقع التواصل الاجتماعي عن حملة في إحدى الدول هدفها تحطيم كل مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف المادية والمعنوية باعتبارها "بدعة"، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحتفل بهذه المُناسبة ولا الصحابة الكرام.
بعدها تابعتُ أيضًا موقف الفريق الثاني الذي يرى مشروعية الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم، وقد يظن البعض أن هذا الأمر جديد، والحقيقة أنه يتكرر في كل عام، فمع حلول ذكرى المولد النبوي الشريف تتجدد في مجتمعاتنا الإسلامية حالة من الجدل حول مشروعية الاحتفال بهذه المناسبة العظيمة، بين من يراها فرصة لاستحضار سيرة خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم، والتذكير بأخلاقه وشمائله ورسالته، وبين من يرفع صوته محذرا من الاحتفال بها وواصفا إياها بالبدعة التي لا تجوز.
وشخصيًا أميلُ إلى رأي الفريق الثاني الذي يقول بمشروعية الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم؛ فحياتنا الدينية والتعليمية والدعوية اليوم تزخر بوسائل وتنظيمات وأساليب لم تكن موجودة بتفاصيلها وصورتها المعاصرة في ذلك الزمن، ومع ذلك نأخذ بها لما فيها من مصلحة وخير، ما دامت لا تصادم أصلًا شرعيًا، وقد ذكر أنصار هذا الرأي الكثير منها.
ومما ذكروه أنَّ القرآن الكريم جُمِع في مصحف واحد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تطورت كتابة المصحف وضبطه ونقطه وعلامات الوقف وترقيم الآيات وتقسيماته لخدمة القارئ وحفظ كتاب الله وتيسير تلاوته، واليوم نستمع إلى القرآن عبر الهواتف والتطبيقات والإذاعات والقنوات الفضائية، ونشاهد الصلاة مباشرة من المسجد الحرام والمسجد النبوي وغيرها، وتصل الدروس والمواعظ إلى ملايين الناس في اللحظة نفسها عبر وسائل لم يعرفها المسلمون الأوائل.
فهل هذه الوسائل مذمومة لمجرد أنها لم تكن موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، هذه نقطة مُهمة ينبغي استحضارها في نقاش المولد وغيره، فليس كل جديد عبادة مستحدثة كما أن كون العمل جديدا لا يكفي وحده للحكم عليه بالقبول أو الرفض.
إذا كان الاحتفال بالمولد النبوي الشريف قائمًا على قراءة القرآن الكريم وذكر الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة سيرته وتعليم الأطفال أخلاقه والحديث عن رحمته وتواضعه وأمانته وصدقه وعدله والحث على الاقتداء به، فأنعِم بها من بدعة، وتذكير الأجيال بسيرة نبيهم عمل يستحق هذه البدعة.
نحن اليوم بحاجة إلى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من أي وقت مضى، نحتاج أن يعرف أبناؤنا كيف كان يتعامل مع الصغير والكبير، وكيف كان رحيما بالضعفاء، وكيف كان متواضعًا وهو قائد الأمة، وكيف أقام مجتمعا على قيم العدل والأخوة والتسامح والمسؤولية، نحتاج أن يعرف الشباب أن رسولهم لم يكن مجرد شخصية تاريخية يقرؤون عنها في الكتب المدرسية، وإنما هو القدوة والأسوة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: 21).
فلنجعل من ذكرى المولد النبوي الشريف مساحة للمحبة والمعرفة والاقتداء، لا موسمًا للخصومة والتصنيف، ولنتذكر أنَّ الأمة أحوَج ما تكون إلى ما يجمع قلوبها على رسولها صلى الله عليه وسلم، لا إلى خلاف يفرقها حول كيفية التعبير عن محبته.
