يارا الحايك **
في التراث العربي صورٌ تتجاوز زمنها، لأنها لا تصف الأشياء بقدر ما تكشف شيئًا عميقًا في الإنسان، ومن أكثر هذه الصور دلالةً صورة "نافخ الكير"؛ ذلك الذي كان يقف عند النار فينفخ فيها فتزداد اشتعالًا وتوهجًا حتى يتسع اللهب ويتضاعف أثره.
ثم خرجت الصورة من معناها الحرفي إلى معناها الإنساني، فأصبح "نافخ الكير" رمزًا لمن لا يكتفي بأن يرى خلافًا قائمًا، بل يزيده، ولا يكتفي بأن يجد غضبًا حاضرًا، بل يغذيه، ولا يكتفي بأن يعرف موضع الجرح، بل ينفخ فيه حتى يتحول الألم إلى خصومة، والخصومة إلى قطيعة، والقطيعة إلى عداوة. غير أن التأمل في هذه الصورة يقود إلى سؤال أعمق من مجرد البحث عن نافخ الكير: لماذا تشتعل النار حين ينفخ فيها؟
فالنافخ وحده لا يصنع الحريق؛ لا بُد من شرارة، وحطب قابل للاشتعال، ومساحة تسمح للنار بالتمدد. وكذلك الخلافات الإنسانية. قد تبدأ بكلمة عابرة، أو سوء فهم، أو اختلاف في الرأي، ثم يأتي من ينفخ فيها، لكن سرعة اشتعالها تكشف أحيانًا عن شيء موجود في داخلنا: كبرياء لا يقبل الاعتذار، أو حساسية مفرطة، أو سوء ظن، أو رغبة في الانتقام، أو حاجة إلى الانتصار ولو على حساب علاقة عزيزة. ومن هنا تبدأ المسؤولية الحقيقية؛ فليس كل خلاف من صنع نافخ الكير، لكنه قد يجد في الخلاف القائم مادة جاهزة للاشتعال. لذلك لا يقتضي الوعي أن نعرف من ينفخ في النار من حولنا فحسب، بل أن نعرف أيضًا ما الذي يجعلنا قابلين للاشتعال.
فقد يأتي من يحرضك، لكن قرار أن تجعل كلامه حقيقة في قلبك يظل قرارك. وقد ينقل إليك كلامًا، لكن قبوله قبل التثبت منه مسؤوليتك. وقد يذكّرك بإساءة قديمة، لكن استدعاء الجرح وتحويله إلى موقف جديد ليس قدرًا محتومًا. لذلك فإن مقاومة نافخ الكير لا تبدأ دائمًا بالابتعاد عنه، بل تبدأ بإغلاق الباب الذي يدخل منه إلى أعماقنا؛ لأن من يملك هدوءه الداخلي لا يمنح الآخرين منفاخًا يخصه.
ومن هنا نفهم عمق التشبيه النبوي الشريف: {إِنَّمَا مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ؛...}؛ فالصورة لا تتحدث عن شخص صالح وآخر سيئ فحسب، وإنما تكشف قانونًا إنسانيًا بالغ الدقة: نحن نتأثر بمن نسمح لهم بالاقتراب منا. حامل المسك لا يحتاج إلى أن يعظك حتى يترك أثره؛ يكفي أن تجلس إلى جواره فتخرج بشيء من طيبه. ونافخ الكير كذلك؛ قد لا يدعوك صراحة إلى الخصومة، لكنه قد يعلمك كيف تنظر إلى الناس بعين الشك، وكيف تفسر النوايا، وكيف ترى الاختلاف تهديدًا، والتسامح ضعفًا، حتى يصبح أثره فيك جزءًا من شخصيتك دون أن تشعر.
وهنا تصبح الصحبة أكثر من مجرد علاقة اجتماعية؛ إنها، في جانب منها، اختيار للنسخة التي سنصبح عليها. فنحن لا نختار فقط من يجلس إلى جوارنا، وإنما نختار الأصوات التي ستبقى في داخلنا بعد أن يغادر أصحابها. قد ينتهي المجلس، لكن طريقة ذلك الشخص في تفسير الناس قد تبقى فينا، وقد تنتهي الصداقة، لكن عباراته تصبح جزءًا من قاموسنا. وربما كان أخطر نافخ كير هو ذلك الذي يغادر مجلسك، لكنه يبقى في داخلك؛ فحينها لا تعود بحاجة إلى من يذكّرك بالغضب، لأنك تعلمت أن تستدعيه بنفسك، وتبحث عن أسوأ التأويلات، وتحمل الماضي إلى الحاضر، وتتعامل مع الاختلاف باعتباره معركة لا فرصة للفهم.
ولهذا جاءت عناية القرآن بالكلمة والتثبت. يقول تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18)، ويقول سبحانه: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6)؛ فالكلمة ليست صوتًا ينتهي بانتهاء المجلس؛ قد تصبح شكًا، والشك موقفًا، والموقف قطيعة، والقطيعة ظلمًا. ولذلك لا تكمن مسؤوليتنا في أن يكون ما نقوله صحيحًا فحسب، بل في أن نتساءل عن مآله: إلى أين يقود هذا القول؟
وهنا يتضح الفرق بين الناصح ونافخ الكير. قد يتحدث الاثنان عن المشكلة نفسها، وقد يذكران الحقائق ذاتها، لكن أحدهما يريد الإصلاح، والآخر يريد استمرار الصراع. الناصح قد يقول لك ما لا تحب سماعه لأنه يريد مصلحتك، بينما نافخ الكير قد يقول لك ما تحب سماعه لأنه يريد إبقاء غضبك حيًا. الناصح يفتح أمامك أبواب الفهم، أما المحرض فيغلقها بتفسير واحد، غالبًا هو الأكثر إثارة للغضب. فالحقيقة في يد الحكيم قد تكون جسرًا، وفي يد المحرض قد تصبح سلاحًا؛ والنصيحة قد تكون يدًا تمتد للإصلاح، وقد تكون غطاءً أنيقًا للتحريض. والمقياس ليس الكلمات وحدها، بل النية والسياق والطريقة والمآل.
وأحيانًا لا يكون نافخ الكير هو صاحب المشكلة أصلًا؛ بل قد تكون له مصلحة في ألا تنتهي. فبعض الناس يستمدون حضورهم ونفوذهم من كونهم طرفًا ثالثًا بين المتخاصمين: يعرف أسرار هذا، وينقل كلام ذاك، ويفسر لكل طرف موقف الآخر، حتى يصبح الخلاف مصدرًا لمكانته الاجتماعية. ولهذا فالمصلح الحقيقي يعمل حتى يستغني الناس عنه، بينما نافخ الكير، بوعي أو بغير وعي، يحتاج إلى استمرار المسافة بينهم كي يستمر هو في الوسط. فالمصلح ينجح حين تنتهي حاجتهم إليه، أما نافخ الكير فيخسر دوره حين تنتهي الخصومة.
وأخطر نافخ كير هو الذي لا يبدو كذلك. قد يقول: "أنا لا أريد أن أتدخل، ولكن..." ثم يترك وراءه بذرة شك، أو يقول: "أنت أدرى بمصلحتك"، ثم ينسحب تاركًا الغضب يعمل، أو يقول: "لو كنت مكانك لما قبلت"، فيحوّل موقفًا عابرًا إلى قضية كرامة. إنه لا يدفعك دفعًا، بل يجعلك تدفع نفسك؛ ولذلك يصعب اكتشافه، لأن الإنسان يظن أن القرار خرج منه وحده.
وفي العلاقات الإنسانية، قد يكون لهذا السلوك ثمن لا يُقدّر. خلاف بين زوجين كان يمكن أن ينتهي بكلمة طيبة، فيتحول إلى قطيعة لأن طرفًا ثالثًا أقنع كل واحد منهما بأن التراجع ضعف. وعتاب بين إخوة كان يمكن تجاوزه، فيصبح عداوة لأن أحدًا ظل يذكّر كل طرف بما قاله الآخر. وصداقة قديمة كان يمكن أن تعبر خلافًا عابرًا، لكن شخصًا ثالثًا يحوّل الخلاف إلى اختبار للكرامة. وهكذا لا يعود أصل المشكلة هو المشكلة؛ بل يصبح ما أُضيف إليها هو المشكلة الحقيقية.
وفي المجتمع، تتسع الصورة أكثر. فهناك خطابات وأشخاص لا يستطيعون بناء حضورهم إلا على الاستقطاب؛ يقسمون الناس إلى "نحن" و"هم"، ويحوّلون الاختلاف الطبيعي إلى خصومة، والتنوع إلى تهديد، والنقاش إلى معركة. وكلما اتسعت المسافة بين الناس، ازداد حضورهم. أما المجتمع السليم فلا يلغي الاختلاف، وإنما يتعلم كيف يختلف دون أن يفقد احترام المختلف.
وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح نفخ الكير أسهل من أي وقت مضى. لم يعد يحتاج إلى مجلس أو حضور شخصي؛ يكفي مقطع مبتور، أو عنوان مضلل، أو تعليق مستفز، أو خبر لم يُتحقق منه، ثم ضغطة واحدة تنقل الشرارة إلى آلاف. وقد لا يكون الناشر هو من صنع النار، لكنه يصبح جزءًا من سلسلة النفخ فيها. لذلك تصبح إعادة النشر فعلًا أخلاقيًا؛ لأننا لا نملك دائمًا أن نعرف إلى أين ستصل الكلمة بعد أن نطلقها. وليس كل ما يصل إلينا يستحق أن يصل إلى الآخرين، وليس كل ما يغضبنا يستحق أن نمنحه جمهورًا، وأحيانًا يكون أعظم ما نستطيع فعله ألا نضيف شيئًا إلى النار.
لكن السؤال الأهم يظل: ماذا يحدث حين نكون نحن نافخ الكير؟ فالإنسان ليس ثابتًا في دور واحد؛ قد يكون حامل مسك في موقف ونافخ كير في موقف آخر. قد يدعو إلى التسامح ثم يعجز عنه حين يتعلق الأمر به، وقد يرفض النميمة ثم يجد لها مبررًا حين يكون الكلام عن شخص يختلف معه، وقد يدعو إلى الهدوء ثم يتحول إلى وقود حين تمس المسألة كبرياءه.
وهنا يصبح "نافخ الكير" مرآة أخلاقية لا تهمة نعلقها على الآخرين. فقد ننقل كلامًا لا ضرورة لنقله، أو نضيف إلى القصة ما لم يقله صاحبها، أو نفسر النوايا دون دليل، أو نستدعي أخطاء الماضي كلما وقع خلاف جديد. وقد يبدأ الحديث بفهم المشكلة، ثم يتحول تدريجيًا إلى تغذيتها. وفي هذه اللحظة تحديدًا يصبح الصمت أحيانًا موقفًا أخلاقيًا، لا مجرد امتناع عن الكلام.
ليست الحكمة أن نتجنب كل اختلاف؛ فالاختلاف جزء من طبيعة البشر، ولا يمكن بناء علاقة ناضجة من دون القدرة عليه. الحكمة أن نعرف كيف ندير الاختلاف دون أن يتحول إلى عداوة، وكيف نقول الحقيقة دون أن نحولها إلى سلاح، وكيف ندافع عن أنفسنا دون أن نفقد قدرتنا على العدل. فالنضج ليس في غياب الخلاف، وإنما في قدرتنا على ألا نسمح للخلاف بأن يفسد إنسانيتنا.
وهنا تتجلى قيمة حسن الرفقة. فالصديق الحقيقي ليس من يوافقك دائمًا، ولا من يصفق لغضبك، ولا من يبرر لك كل شيء. الصديق الحقيقي هو من يحفظ لك عقلك حين يغلبك انفعالك، ويذكّرك بما قد تنساه حين تغضب، ويقول لك ما تحتاج إلى سماعه لا ما ترغب في سماعه. قد يختلف معك دون أن يهينك، وينصحك دون أن يكسرك، ويعاتبك دون أن يحشد عليك الآخرين. ذلك هو حامل المسك؛ قد لا يمنحك راحة اللحظة، لكنه يمنحك سلامة المآل.
ولهذا فإن الابتعاد عن نافخي الكير ليس كراهية لهم ولا تعاليًا عليهم، وإنما وعي بالمسافة التي ينبغي أن تكون بين الإنسان وبين ما يؤذيه. لا تحتاج إلى أن تدخل معهم في معركة؛ يكفي ألا تمنحهم أسرارك، وألا تسلمهم غضبك، وألا تجعلهم يتحكمون في علاقتك بالآخرين. والأهم ألا تمنح أحدًا منفاخًا يخصك؛ فلا تجعل شخصًا آخر قادرًا على التحكم في غضبك ورضاك وقراراتك بمجرد كلمة.
وكما قال الشاعر عبدالله بن علوش:
"اترك مسافة كافية بينك وبين الآخرين،
بعض البشر ودك حدود المعرفة معهم سلام"
ففي النهاية، لا تكون مسؤولية الإنسان فقط في اختيار من يدخل حياته، بل في اختيار ما الذي يسمح له بالبقاء داخله. فالرفقة ليست من يحيطون بنا فقط، بل ما يتركونه فينا بعد أن يغادروا، وما نسمح له بأن يتحول إلى جزء من طريقة تفكيرنا ونظرتنا إلى الآخرين.
إنَّ أعظم درجات الوعي الاجتماعي أن يعرف الإنسان متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى ينقل، ومتى يستر، ومتى ينصح، ومتى ينسحب. وحين تقع شرارة خلاف أمامنا، ليس علينا دائمًا أن نسأل: من المخطئ؟ يمكننا أن نسأل سؤالًا أعمق: ماذا نستطيع أن نفعل حتى لا تتحول هذه الشرارة إلى حريق؟ فالأول يبحث عن منتصر، أما الثاني فيبحث عن مخرج. والأول قد يثبت من كان على حق، أما الثاني فقد ينقذ علاقة كان يمكن أن تضيع.
وربما كان أجمل ما يمكن أن نتعلمه من صورة "نافخ الكير" أن الخير ليس دائمًا في فعل شيء؛ أحيانًا يكون الخير في الامتناع عن فعل شيء: ألا تنقل كلمة، ألا تستدعي جرحًا قديمًا، ألا تمنح غضبًا جمهورًا، وألا تقول جملة تعرف أنها ستجعل الصلح أصعب.
وفي آخر الأمر، قد يكون الإنسان في حياة الآخرين حامل مسك أو نافخ كير، وقد يكون الاثنان معًا في أوقات مختلفة. غير أن أجمل ما يمكن أن يفعله المرء أن يراقب أثره قبل أن يغادر، وأن يتعلم أن بعض النار لا تحتاج إلى شجاعة لإشعالها، وإنما تحتاج إلى شجاعة أكبر لإطفائها.
فحين نغادر حياة الناس، ماذا نترك وراءنا: رائحة طيبة، أم نارًا لا تزال تبحث عمن ينفخ فيها؟
** كاتبة سورية
