أنيسة الهوتية
كمثل بقية أولياء الأمور المهتمين أعيش القلق على أبنائي وبناتي، في زمن نرى فيه الفتن والفسق والفجور "ترند" ولكن، تأتي بعض الأخبار كنور ينفذ من خلال الظلام ويتسرب سلسبيلا يريح القلب. ومثلها الرقم الحالي للمشاركين في مسابقة السلطان قابوس للقرآن الكريم، التي بدأت في عام 1991، واستمرت ثلاثة عقود، حتى بلغت دورتها الرابعة والثلاثين هذا العام. والتي لم تعد مجرد مسابقة للتنافس في الحفظ والتلاوة، بل مشروعًا تربويًا يسعى إلى تكوين جيل يحمل القرآن في قلبه، ويفهم هديه، ويجعل منه قوة في حياته ومكانه.
وفي دورة هذا العام بلغ عدد المسجلين 2214 متسابقًا ومتسابقة، يتنافسون في سبعة مستويات، من حفظ القرآن الكريم كاملًا إلى حفظ جزأين لمن هم في السابعة فما دون. وتقام التصفيات في 28 مركزًا في مختلف محافظات السلطنة. وفي العام الماضي بلغ العدد 2800، بينما سجلت دورة 2024 نحو 1790، ودورة 2023 نحو 1638. أما الرقم اللافت في السنوات الأخيرة فكان في دورة 2022، حين بلغ عدد المشاركين 7881، وهو رقم استثنائي ارتبط بعودة المسابقة بعد توقفها خلال جائحة كورونا.
قد ينظر البعض إلى هذه الأرقام باعتبارها مجرد إحصاءات، لكنني لا أستطيع أن أراها كذلك. حين أرى آلافًا من أبنائنا يقفون أمام لجان التحكيم ليسمعوا آيات الله، يطمئن قلبي وأشعر أن في هذا الوطن خيرًا لم ينطفئ، وأنه سيبقى بخير مادامت هناك بيوتًا ما زالت تصحوا وتنام على القرآن، وأمهات وآباء يعلمون أين هو جوهر التربية، ومعلمين يربون، وأطفالًا يجدون في كتاب الله ما يستحق أن يُحفظ في الصدر.
ولذلك أثلج الرقم صدري، لا لأنه رقم كبير، بل لأن وراء كل رقم قلبًا منيرا سينبع نوره لغيره، وبيتًا يجتهد لإشعال هذا النور، الذي هو كلام نور السماوات والأرض.
وجزء كبير من مجتمع متكامل لازال يضرب بأوتاد الثبات في هذه الأرض حتى لا تهتز. فنحن نعيش زمنًا كثرت فيه الفتن، وأصبح كثيرا من الفساد يُجاهر به بعد أن كان يُستحيا منه. ويكاد المؤمن يشعر بأنه حتى يعيش ويواكب فإنه ممسك بدينه كما يمسك بجمرة.
إنني لأؤمن أن أهل الخير والصلاح هم أعمدة الثبات في الأرض، وأن وجودهم رحمة، وأن الإصلاح هو الحاجز الذي يحول دون هلاك المجتمعات.
قال الله تعالى: «وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ» (هود: 117). وقال سبحانه: «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» (الروم: 41)؛ فالفساد حين يستفحل ليس شأنًا فرديًا عابرًا؛ إنه خطر يمس روح المجتمع، وقد يقود الأمم إلى الضعف والهلاك إذا غاب الإصلاح واستمر الناس في قبول الخطأ وجعله حرية شخصية أو امرًا عاديًا مُقلِّدًا غيره.
ولهذا أؤمن أن قوة الأمة تبدأ من قوة إيمانها؛ فالإيمان ليس شعورًا في القلب فقط، بل قوة تمنح الإنسان ثباتًا أمام الفتن، وأمانة أمام المغريات، وشجاعة في مواجهة الباطل، ورحمة بالناس، وقدرة على مقاومة النفس حين تضعف.
وأعتقد أن جزءًا من ضعف أمتنا اليوم هو أننا فقدنا شيئًا من هذه القوة الداخلية. كثرت إمكاناتنا، لكن لم تزد بالقدر نفسه قدرتنا على الثبات، والصدق، والأمانة، والتضحية، والإصلاح. والأمة لا تنهض بما تملك فقط، وإنما بما تؤمن به وتعمل من أجله.
لذلك لا أرى في هؤلاء المتسابقين أطفالًا يحفظون سورًا وآيات. أراهم بذورًا لمستقبل آمن لهذا الوطن.
ما دام فينا أهل القرآن وهم نجوم الأرض وأقمارها، فهيهات للظلام أن يطغى.
اللهم اجعل القرآن ربيعا لقلوبنا، وإماما لأخلاقنا، وقوة لنا، ونورًا في بيوتنا، وثباتًا فيما نفتتن فيه، واجعل أبناءنا من أهل القرآن الذين يحملون كتاب الله في صدورهم وأخلاقهم وأعمالهم.
