تضعضع السياسة المسيحية منذ الاستقلال: أسبابه وتأثيراته على لبنان (1- 2)

 

 

 

جان يعقوب جبور

منذ قيام دولة لبنان الكبير عام 1920، ثم نيل الاستقلال في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1943، ارتبطت السياسة المسيحية في لبنان ارتباطًا وثيقًا بفكرة الدولة والكيان والاستقلال، وكان المسيحيون- ولا سيما الموارنة- القوة السياسية الأكثر تأثيرًا في صياغة النظام اللبناني في العقود الأولى.

غير أن هذا الدور لم يبقَ ثابتًا؛ فقد انتقلت السياسة المسيحية تدريجيًا من موقع المبادرة وقيادة مشروع الدولة إلى موقع الدفاع عن النفوذ والحصص، ثم إلى الانقسام الحاد، قبل أن تخسر جزءًا كبيرًا من قدرتها على إنتاج مشروع وطني جامع. وليس المقصود بذلك تحميل المسيحيين وحدهم مسؤولية أزمات لبنان؛ إذ إن النظام السياسي اللبناني بأكمله شارك في إنتاج الأزمة، لكن خصوصية التجربة المسيحية تكمن في أن التراجع أصاب قوة كانت في مرحلة التأسيس في قلب الدولة ومؤسساتها.

في مرحلة الاستقلال، كان بشارة الخوري ورياض الصُلح يمثلان صيغة سياسية عُرفت بالميثاق الوطني، وهي صيغة غير مكتوبة قامت على تفاهم مسيحي- إسلامي: قبول المسيحيين بعروبة لبنان وعدم طلب الحماية الأجنبية، مقابل قبول المسلمين باستقلال لبنان وعدم السعي إلى الوحدة مع سوريا. وقد أعطى هذا التفاهم شرعية سياسية للنظام الجديد، لكنه ترك في الوقت نفسه سؤال توزيع السلطة مفتوحًا على أساس التوازن الطائفي. وبموجب دستور ما قبل الطائف، كان رئيس الجمهورية مارونيًا، ورئيس الحكومة سنيًا، ورئيس مجلس النواب شيعيًا، مع امتيازات واضحة لرئاسة الجمهورية والتمثيل المسيحي في مؤسسات الدولة. غير أن قوة الموقع المسيحي في الدولة لم تكن تعني بالضرورة قوة سياسية مسيحية موحدة؛ فمنذ السنوات الأولى للاستقلال ظهرت المنافسة بين الزعامات والعائلات، من بشارة الخوري وكميل شمعون وبيار الجميل وريمون إده وسليمان فرنجية إلى شخصيات أخرى، وأصبحت السياسة في كثير من الأحيان محكومة بتنافس الزعامات أكثر من ارتباطها ببناء مؤسسات سياسية عابرة للطوائف. وجاءت أزمة عام 1952، التي انتهت باستقالة بشارة الخوري، ثم أزمة عام 1958 والتدخل العسكري الأمريكي في لبنان، لتكشف أن النظام الذي بدا مستقرًا بعد الاستقلال كان يحمل في داخله تناقضات عميقة.

ومع صعود التيارات القومية العربية في المنطقة، ثم وصول جمال عبد الناصر إلى ذروة نفوذه، وجد جزءٌ من المسيحيين أنفسهم أمام سؤال وجودي حول هوية لبنان: هل هو دولة عربية ذات خصوصية لبنانية، أم دولة ذات هوية لبنانية مميزة عن محيطها؟ وقد تحولت هذه المسألة تدريجيًا من نقاش سياسي إلى انقسام اجتماعي وطائفي. وفي المقابل، كانت القوى الإسلامية واليسارية والقومية تشهد بدورها تحولات كبيرة، ولا سيما بعد هزيمة 1967 وصعود المقاومة الفلسطينية في لبنان. وكان اتفاق القاهرة في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 1969 محطة مفصلية. فقد أضفى الاتفاق إطارًا رسميًا على وجود ونشاط المقاومة الفلسطينية المسلحة في لبنان، وأدى عمليًا إلى تقييد جزء من سلطة الدولة اللبنانية في المخيمات ومناطق النشاط الفلسطيني. ورأى قسم كبير من القوى المسيحية في ذلك تهديدًا لسيادة الدولة، بينما اعتبرته قوى لبنانية وعربية أخرى جزءًا من الصراع مع إسرائيل. ومن هنا أخذ الخلاف حول السلاح الفلسطيني يتحول إلى أحد المداخل الرئيسية للحرب الأهلية.

في 13 أبريل/ نيسان 1975 انفجرت الحرب اللبنانية بعد حادثة عين الرمانة، لكن اختزال الحرب بأنها مجرد صراع مسيحي- فلسطيني، أو مسيحي- إسلامي هو تبسيط شديد؛ فقد كانت الحرب نتيجة تراكمات سياسية واجتماعية وإقليمية، وتدخُّلات سورية وإسرائيلية وفلسطينية ودولية، وانقسام داخلي عميق حول هوية لبنان ودور الدولة والسلاح. ومع ذلك، فإن الحرب استنزفت بصورة خاصة القوى المسيحية التي كانت تتمتع تاريخيًا بنفوذ كبير داخل الدولة. وخلال الحرب ظهرت «الجبهة اللبنانية» عام 1976، وضمت قوى وشخصيات مسيحية عدة؛ أبرزها: حزب "الكتائب اللبنانية" بقيادة بيار الجميل، و"الوطنيون الأحرار" بقيادة كميل شمعون، وشخصيات وقوى أخرى. وفي المقابل، تشكَّلت «الجبهة اللبنانية» في مواجهة الحركة الوطنية اللبنانية وحلفائها. لكن الانقسام المسيحي نفسه لم يختفِ؛ بل تصاعد لاحقًا بين القوى المتنافسة على القيادة والقرار. ومن أبرز مظاهر ذلك الصدام داخل البيئة المسيحية نفسها ما عُرف بـ«حرب الإلغاء» عامي 1988 و1990، عندما دخل الجيش اللبناني بقيادة العماد ميشال عون في مواجهة مع ميليشيا القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع. وكان المشهد بالغ الدلالة: المسيحيون الذين خاضوا الحرب تحت شعارات الدفاع عن الدولة والسيادة وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف يخوضون حربًا داخلية على النفوذ والقرار، فيما كانت البلاد تخضع لتدخلات إقليمية ودولية واسعة.

ثم جاء "اتفاق الطائف" عام 1989 ليُعيد صياغة النظام السياسي اللبناني؛ حيث خُفِّضت صلاحيات رئيس الجمهورية، ونُقِلت صلاحيات تنفيذية أساسية إلى مجلس الوزراء مجتمعًا، وأصبح توزيع المقاعد النيابية مناصفةً بين المسلمين والمسيحيين بدلًا من صيغة 6 مقابل 5 التي كانت سائدة قبل الحرب. وكان الطائف ضروريًا لإنهاء الحرب، لكنَّه مثّل أيضًا نقطة تحول تاريخية في موقع المسيحيين داخل النظام. فقد انتقلت الرئاسة المارونية من كونها مركز الثقل التنفيذي الفعلي إلى موقع أكثر تقييدًا ضمن منظومة تشاركية تقوم على توازنات طائفية جديدة. لكن المشكلة لم تكن في الطائف وحده؛ فقد دخل لبنان بعد الحرب مرحلة هيمنة سورية مباشرة أو غير مباشرة على القرار السياسي، واستمرت هذه الهيمنة حتى الانسحاب السوري عام 2005. وخلال معظم هذه المرحلة، كان عدد من القادة المسيحيين خارج السلطة أو في المنفى أو السجن. غادر ميشال عون إلى فرنسا عام 1990، فيما سُجن سمير جعجع عام 1994 بعدما حُكم قضائيًا باغتيال رئيس وزراء لبنان في 1 يونيو/ حزيران 1987 وتفجير كنيسة سيدة النجاة في 27 فبراير/ شباط 1994 (خروجه بموجب عفو سياسي وليس تبرئة قضائية)، واستمرت قيادات أخرى في العمل ضمن هوامش سياسية تُحاكي الواقع آنذاك. وفي الوقت نفسه، برزت طبقة سياسية جديدة بعد الحرب، لم يعد القرار فيها محصورًا بالقوى المسيحية التقليدية.

وكان اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 فبراير/ شباط 2005 نقطة تحول أخرى؛ فقد أدى اغتياله إلى انتفاضة شعبية واسعة عُرفت بـ"ثورة الأَرز"، وإلى خروج القوات السورية من لبنان في أبريل/ نيسان 2005. وكان يُفترض أن يُشكِّل ذلك فرصةً لإعادة بناء الحياة السياسية على أساس الدولة والسيادة. إلّا أنَّ الانقسام المسيحي عاد بقوة؛ إذ انضم التيار الوطني الحُر بقيادة ميشال عون إلى محور سياسي مختلف عن محور القوات اللبنانية وحزب الكتائب وقوى "14 آذار". وجاء «تفاهم مار مخايل» بين التيار الوطني الحر وحزب الله في 6 فبراير/ شباط 2006 ليُشكِّل أحد أهم التحولات في السياسة المسيحية المعاصرة. ومنح هذا التفاهم حزب الله غطاءً مسيحيًا واسعًا، بينما حصل التيار الوطني الحُر على حليف قوي في النظام السياسي. لكن التفاهم عمَّق- في المقابل- الانقسام المسيحي حول مسألة السلاح وعلاقة لبنان بالمحاور الإقليمية. وأصبح المسيحيون منقسمين بين من يرى في حزب الله قوة مقاومة تحمي لبنان، ومن يراه قوة مسلحة تتجاوز الدولة وتربط القرار اللبناني بإيران (قوى يمينية متطرفة متعاطفة ومرتبطة بالكيان الصهيوني وحليفه الصديق أمريكا). ثم جاءت الانتخابات الرئاسية التي انتهت بانتخاب ميشال عون رئيسًا للجمهورية في 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2016 بعد فراغ رئاسي استمر أكثر من عامين ونصف العام. وقد اعتبر انتخابه انتصارًا كبيرًا للتيار الوطني الحر، لكنه لم يؤدِّ إلى توحيد المسيحيين، بل إلى انقسامات عامودية في الشارع المسيحي وذلك لمصالح شخصية وطائفية وعائلية. وبعد انتهاء ولاية عون في 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2022 دخل لبنان فراغًا رئاسيًا جديدًا استمر أكثر من عامين، إلى أن انتُخب جوزاف عون رئيسًا للجمهورية في 9 يناير/ كانون الثاني 2025. وكان وصوله مؤشرًا إلى أن موقع الرئاسة المسيحية ما زال مركزيًا، لكن قدرة الرئيس المسيحي على الحكم أصبحت مرتبطة بصورة أكبر بالتوافقات الداخلية والخارجية وبتركيبة مجلس الوزراء والبرلمان وبتقديم تنازلات مسبقة للوصول إلى الكرسي الرئاسي كما يحصل الآن على حساب شريحة كبيرة من الشعب اللبناني.

الأكثر قراءة

z