أسماء باقوير
يعتقد بعض الناس أن الحياد هو الموقف الصحيح دائمًا، وفي كل وقت، ومع كل إنسان، وكأن الوقوف على مسافة واحدة من الجميع هو دليل الحكمة والوعي. لكن الحقيقة أن الحياد لا يصلح لكل المواقف، ولا مع كل العلاقات.
فالإنسان الواعي لا يكون محايدًا لمجرد أن يُقال عنه إنه عادل، وإنما يعرف متى يكون الحياد حكمة، ومتى يتحول إلى برود أو تخلي أو حتى خذلان.
هناك مواقف تحتاج منا فعلًا إلى الحياد، وأن نستمع إلى الطرفين، وألا نتسرع في الحكم أو ننحاز دون معرفة الحقيقة. لكن هناك مواقف أخرى تكون فيها الصورة واضحة، ويكون أحد الأشخاص الذين نحبهم بحاجة إلى كلمة حق، أو موقف واضح، أو مجرد شعور بأن هناك من يفهمه ويقف إلى جانبه.
وفي العلاقات القريبة، لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى من يحكم بينه وبين الآخرين، بل يحتاج أحيانًا إلى شخص يشعر به، ويقدّر مشاعره، ويمنحه مساحة من الاحتواء.
فالعلاقات الإنسانية ليست جميعها متساوية، ولا يمكن أن نتعامل مع كل الناس بالمسافة نفسها. هناك أشخاص لهم مكانة خاصة في حياتنا، وهناك علاقات بُنيت على المحبة والثقة والمواقف المشتركة، ومن الطبيعي أن يكون لها حضور مختلف في قراراتنا ومواقفنا.
لكن ذلك لا يعني أن نظلم أحدًا أو ننحاز انحيازًا أعمى؛ فالعدل يبقى أساسًا، والإنصاف قيمة لا نتخلى عنها. وإنما الفرق أن العدل لا يعني أن نقف بعيدًا عن الجميع، بل أن نقف مع الحق دون أن نظلم أحدًا.
وقد تكون كلمة بسيطة في وقتها سببًا في إصلاح علاقة، بينما قد يجعل الصمت علاقة جميلة تبتعد شيئًا فشيئًا.
لذلك، لا تجعلوا الحياد قاعدة ثابتة في حياتكم، ولا تستخدموه في كل موقف لمجرد الهروب من المسؤولية أو الخوف من إغضاب أحد.
فالوعي الحقيقي ليس أن تكون محايدًا دائمًا، وإنما أن تعرف متى تكون محايدًا، ومتى يكون عليك أن تتخذ موقفًا.
نحن لا نختار الحياد في كل وقت، بل نختار متى نكون محايدين، ومع من، وفي أي موقف.
فبعض العلاقات لا تحتاج منك حكمًا، وإنما تحتاج منك موقفًا. وبعض الصمت الذي نظنه حيادًا قد يراه من أمامنا خذلانًا.
وفي النهاية، ليست الحكمة أن نرضي الجميع، وإنما أن نفهم قيمة كل علاقة، ونعرف متى يكون الصمت حكمة، ومتى تكون الكلمة موقفًا، ومتى يكون الوقوف إلى جانب من نحب حقًا من حقوق العلاقة.
فالمواقف الصادقة لا تُضعف العلاقات، بل تقوّيها؛ لأن الإنسان يتذكر دائمًا من وقف معه حين كان يحتاج إلى موقف. والأذكى من ذلك من يعرف كيف يلتقط هذه الفرص الجميلة، فيحوّل الموقف الصادق إلى مساحة جديدة لتقوية العلاقة وتعميق الثقة.
لأن فهم الإنسان… بداية فهم الحياة.
