ارتهان الفرضية بالمسار الذهني

 

ماجد بن علي الهادي

 

"اترك عباءتك وخيالك خلف باب المخبر" ماجندي.

**********

الفرضية عندما تقنعك لا تجد مفراً من الرضوخ لها، أياً كانت أسبابها ونتائجها اللاحقة. لأنها الأرضية التي تلقنك درس الثبات والرسوخ، هذا إذا كنت غيورا على رسوخك وثباتك من عدمه. بالتأكيد أن الداعم الحقيقي للفرضية الحقة، هو التصالح مع النفس والغير، مع كل ما من شأنه أن يبوئك في قرارة التمحيص.

التمحيص من سلامة الاستسلام للفرضية. فلا يغرنك ثباتك السابق وأنت في غمرة زيف السكون والهدوء، ولا يغرنك أصوات المديح الصادحة من أفواه أتقنت أدوار النفاق بجدارة. عليك الإيمان بأن أية منظومة في الحياة من صنع الإنسان، قابلة للتغيير (حذف، إضافة، إلغاء). وعلى هذا الأساس يجب أن تكون مستعدا لتلقي ما هو أسوأ وأنت في بهجة السعادة تمور. الطبيعة البشرية بفطرتها لا يمكنها أن تنفصل عن معادلات التغيير الكوني. أي أن أية معادلة ذهنية علمية طرت فكرتها على عقل ما، هي في الحقيقة انعكاس للتفكير الجمعي الذي رفرفت به أصداء الكون. طيور تسافر وتقطع مئات الكيلومترات وهي تعي ما تقوم به. مسارها مرتهن بانعكاس كوني قدره الله في مسارها، كذلك العقل بمساره الذهني يرتسم مساره بما انعكس من ذبذبات هذا الكون العميق بأسراره، والواسع بغموضه ومعادلاته التي لا يعرف كنهها أي عقل بشري.

تخيَّل عقلك عبارة عن فرضية ذهنية ذات مسارات مرتبطة بشكل الخلايا العصبية، قابلة للتغيير وقابلة للحذف وقابلة للإلغاء والمسح، تخيلها والفكرة عبارة عن طير يقطع المسافات الطويلة ولكنها في الحقيقة قصيرة، طويلة في الحساب عميقة في التقدير معقدة في الإحصاء. تخيلها وهي تترجم كل ما تقوله إلى أفعال.. وليست أية أفعال وإنما منطقية ومفهومة ومتوازنة ومتماشية مع المنهج الرباني الذي هيئها به الخالق سبحانه لتكون كما هي (عقلانية).

الفرضية هذه لا يمكنك تغييرها عكس الفكرة التي ذكرتها سالفاً والمرتبطة بشكل الخلايا العصبية. لا يمكنك تغييرها لأنك قد طبعتها سالفاً وانتهيت من تمحيصها وتفنيدها ولا إراديا أصبحت مُتقَوْلِبة في مصفوفة ما (تفكير، أفعال، تنسيق، اتزان، ردود فعل.. إلخ) لا بُد إذن أن نُفرِّق بين ما تم تصفيته وأصبح قالب تنفيذ، وبين ما يتم معالجته بالمراحل الذهنية المعقدة. كفرضية الطعام عندما يتحول إلى طاقة ودم. وهذه الفرضية بما تحمله من مسارات معقدة يتعامل معها العقل وأعضاء الجسم على حدٍ سواء، قد سبقتها عمليات عميقة مرتبطة بالتفكير والتقدير الذهني، ليتم بعدها اتخاذ القرار.. هل هذا الطعام نافع لجسمي؟ هذا الطعام مفيد ومُغذٍّ؟ وغيرها من التساؤلات المشابهة، فإن خالفت جزئية- وإن كانت بسيطة- في ما ستتخذه من قرار، ومما سيتوازن من عدمه في المصفوفات العقلية الإدراكية التي خلقها الله سبحانه وتعالى لك، فالمُعادلة لمنطق الاتزان العقلي مع الذهني. والنتيجة ستكون بعدها حتمية وغير قابلة للتغيير، إلا بمعادلة أخرى مضادة وببرمجة عقلية تكون نظريتها أقوى من التي اتخذت قرارا بشأنها.

ما أعنيه هو أن الفرضية ستُلقِّنك درس الثبات والرسوخ، هو أي قرار ستتخذه لأي نوع من تعاملك لمنظومة حياتك اليومية، ستجني ثماره وفق القرار المتخذ، وستتحمل تبعاته وفق نتيجة منظومة الحياة العادلة. فإما أن يكون درس ثبات ورسوخ، بعد اختلال واهتزاز، وإما أن يكون درس تمكين واستيعاب. لذلك يكون للسلام النفسي هنا دور باز ومهم في معانقة التكيف النفسي والروحي. وهو في الحقيقة التنفيس الرائع لراحة البال وسكينة النفس. وبه تسمو الروح إلى مراتب النقاء والصفاء والطهارة الفعلية. وعلى الإنسان الموازنة بين ما سيتخذه من قرار، وبين ما ألفته روحه وعقله ورشفت من بحره العميق، ألا وهو المنهج الفطري المكتسب من البيئة السليمة الصالحة.

وعليه أيضًا.. الإيمان بالاستشعار الذي يتلقاه من أعماقه، فهو بمثابة البوصلة التي سترشدك إلى الطريق الصحيح؛ لأن هذا الاستشعار ما هو إلا رسالة سليمة بمعانيها وصحيحة بمسارها ونقية بمفهومها، هي من يحدثك بصدق عندما تتوه بك الأفكار وهي من ينصفك بأمانة عندما تنافقك بعض الهواجس. الخلاصة بأن مسارك الذهني مرتبط بالفرضية، والفرضية لا تنفك تغذِّي مسارك الذهني؛ فتعامل مع هذه المعادلة وراقب تصرفاتك وأفعالك، وضع لها نهاية ونتيجة خيالية قبل أن تكون في واقع لا يرحم ولا يجامل ولا يحابي.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z