المهارات الحياتية.. سلاح الخريج في سوق العمل (2- 2)

 

 

د. علي بن حمدان بن محمد البلوشي **

ويمكن للجامعة أن تسهم كذلك في تطوير هذه المهارات من خلال التدريب الميداني، والأنشطة الطلابية، والأندية، والبرامج التطوعية، والمسابقات، والمشروعات الجماعية، والمحاكاة، ولعب الأدوار، ودراسة الحالات، والتدريب على المقابلات الوظيفية، وورش العمل التي ترتبط باحتياجات سوق العمل؛ فالمهارة لا تُكتسب بالاستماع إليها فقط، وإنما بالممارسة والتجربة والتكرار والحصول على التغذية الراجعة. وقد يكون من أهم التحديات التي تواجه الجامعات والمحاضرين كيفية تحقيق التوازن بين التركيز على محتوى المقرر وتطوير المهارات الحياتية، خصوصًا مع كثافة المقررات وضيق الوقت وكثرة أعداد الطلاب.

لكن الحل لا يكمن في الاختيار بين المقرر والمهارات، وإنما في الجمع بينهما، فبدلًا من تخصيص وقت منفصل للحديث عن مهارة التواصل، يمكن للمحاضر أن يجعل الطالب يقدم عرضًا علميًا في موضوع من موضوعات المقرر، وبدلًا من إضافة درس مستقل عن حل المشكلات، يمكن تحويل إحدى موضوعات المقرر إلى مشكلة واقعية يتعامل معها الطلاب، وبدلًا من الحديث نظريًا عن العمل الجماعي، يمكن تكليف الطلاب بمشروع جماعي له هدف واضح وأدوار محددة. وبذلك يمكن أن تتحول طريقة تدريس المقرر نفسها إلى وسيلة لبناء المهارات، بحيث يتعلم الطالب المعرفة العلمية والقدرة على استخدامها في الوقت ذاته.

وتواجه هذه العملية تحديات لدى الطالب أيضًا، فقد يفتقر بعض الطلاب إلى الوعي بأهمية المهارات الحياتية، أو يخافون من المشاركة والتحدث أمام الآخرين، أو ينشغلون بالحصول على الدرجات وينسون أن الجامعة فرصة لبناء الشخصية، أو يعانون من ضعف إدارة الوقت والتسويف. ولذلك يحتاج الطالب إلى أن ينظر إلى التعليم الجامعي بطريقة مختلفة، فالمقرر ليس مجرد مادة يجب اجتيازها، وإنما فرصة لتعلم شيء يمكن استخدامه في المستقبل. كما يحتاج الطالب إلى أن يدرك أن الجامعة مهما قدمت من برامج لن تستطيع أن تعلمه كل شيء، وأن جزءًا كبيرًا من مسؤولية تطوير الذات يقع عليه شخصيًا. وهنا تأتي أهمية الوعي؛ فالوعي هو نقطة البداية في تطوير أي مهارة، إذ لا يستطيع الإنسان أن يطور شيئًا لا يعرف أنه يحتاج إلى تطويره.

ولذلك من المفيد أن يسأل الطالب نفسه باستمرار: ما المهارات التي أجيدها فعلًا؟ وما المهارات التي أحتاج إلى تطويرها؟ كيف يراني الآخرون؟ ما المهارات التي يحتاج إليها سوق العمل في تخصصي؟ وما المهارة التي إذا عملت على تطويرها خلال الأشهر القادمة يمكن أن تحدث فرقًا في مستقبلي؟ وقد يكتشف الطالب مثلًا أنه جيد في المعرفة العلمية، ولكنه ضعيف في التحدث أمام الجمهور، أو أنه جيد في العمل الفردي لكنه يجد صعوبة في العمل الجماعي، أو أنه يمتلك أفكارًا جيدة لكنه لا يستطيع التعبير عنها كتابة، أو أنه يريد دخول سوق العمل لكنه لا يعرف كيف يقدم نفسه في مقابلة وظيفية. إن اكتشاف هذه الفجوة ليس فشلًا، بل هو بداية حقيقية لتطوير الذات.

ومن هنا ينبغي أن يتحول تطوير المهارات إلى مشروع شخصي مستمر، يبدأ بتحديد الحاجة، ثم اختيار المهارة، ثم التعلم، ثم التطبيق، ثم الحصول على التغذية الراجعة، ثم تكرار الممارسة حتى تتحول المعرفة إلى قدرة حقيقية. وفي عالم اليوم أصبح لدى الطالب فرصة كبيرة للتعلم خارج الجامعة؛ فالإنترنت يوفر دورات ومقالات وكتبًا ومحتوى تعليميًا متنوعًا، كما أصبحت منصات مثل "يوتيوب" مصدرًا ضخمًا للتعلم في مجالات مختلفة، ويمكن للطالب الاستفادة منه في تعلم اللغات، والبرمجة، وتحليل البيانات، والعروض التقديمية، والتصميم، والذكاء الاصطناعي، وإدارة المشاريع، والتواصل، وغيرها من المهارات. لكن المشكلة ليست في قلة المصادر وإنما في كيفية استخدامها، فمشاهدة عشرات المقاطع لا تعني امتلاك المهارة. فإذا شاهد الطالب 20 مقطعًا عن مهارات العرض ولم يقف أمام الناس ليتحدث، فلن يصبح متحدثًا جيدًا، وإذا شاهد دورة كاملة في تحليل البيانات ولم يطبق على بيانات حقيقية، فلن يصبح محللًا، وإذا شاهد مقاطع عن الذكاء الاصطناعي دون استخدام أدواته في مشروعات فعلية، فلن تتحول معرفته إلى كفاءة.

ولذلك فإن أفضل طريقة للاستفادة من التعلم الإلكتروني هي أن يتبع الطالب قاعدة بسيطة: يتعلم ثم يطبق ثم يخطئ ثم يحصل على تغذية راجعة ثم يصحح ثم يعيد التطبيق. ومن أهم المهارات المستقبلية التي ينبغي للطالب أن يجتهد في تعلمها التفكير النقدي والتحليلي، لأن كثرة المعلومات في العصر الرقمي تجعل الإنسان بحاجة إلى القدرة على التحقق من المعلومات وتحليلها ومقارنة المصادر وعدم قبول كل ما يقرأه أو يشاهده دون تفكير.

ومن المهارات المهمة أيضًا التفكير الإبداعي وحل المشكلات، لأن سوق العمل لا يحتاج فقط إلى شخص يعرف الإجابات الجاهزة، وإنما إلى شخص يستطيع التعامل مع المشكلات الجديدة واقتراح حلول عملية. ويأتي الذكاء الاصطناعي والثقافة الرقمية في مقدمة المهارات التي ينبغي أن يهتم بها الطالب، وليس المقصود أن يصبح الجميع مبرمجين، وإنما أن يعرف الطالب كيف يستخدم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بصورة فعالة ومسؤولة في التعلم والعمل والبحث وتحليل المعلومات، مع إدراك أهمية التحقق من النتائج وعدم الاعتماد الأعمى على الأدوات التقنية. كذلك تظل مهارات التواصل والكتابة والعرض من أهم المهارات التي يحتاجها الخريج، لأن امتلاك فكرة جيدة لا يكفي إذا لم يستطع الإنسان شرحها للآخرين، كما أن اللغة الإنجليزية أصبحت أداة مهمة للوصول إلى مصادر المعرفة العالمية والدورات والبحوث والفرص المهنية. ومن المهارات التي ينبغي ألا يغفل عنها الطالب إدارة الوقت وإدارة الذات، فالنجاح لا يعتمد دائمًا على الذكاء بقدر ما يعتمد أحيانًا على القدرة على تحديد الأولويات والالتزام بها وتجنب التسويف.

كما أن العمل الجماعي والقيادة وبناء العلاقات المهنية والتفاوض والقدرة على الاستماع والتعامل مع الاختلاف كلها مهارات يمكن للطالب تطويرها من خلال الأنشطة والمشروعات والتطوع والتدريب والمشاركة في الفعاليات. وكذلك أهمية المرونة والقدرة على التكيف؛ لأن الإنسان قد يتخرج في تخصص ثم يجد بعد سنوات أن الأدوات والوظائف وطريقة العمل قد تغيرت، ولذلك فإن الخريج القوي ليس من يعرف كل شيء، وإنما من يمتلك الاستعداد للتعلم عندما تظهر مهارة جديدة أو تقنية جديدة. وربما تكون أهم مهارة مستقبلية هي التعلم مدى الحياة، لأن العالم لن يتوقف عن التغير، ومن يتعلم كيف يتعلم سيكون أكثر قدرة على مواكبة المستقبل. ولهذا ينبغي ألا ينتظر الطالب حتى يتخرج ليبدأ في بناء نفسه، وإنما يستطيع أن يبدأ من اليوم بخطوات بسيطة، فيقيم مهاراته، ويختار مهارة واحدة تحتاج إلى تطوير، ويبحث عن مصدر تعلم مناسب، ثم يطبق ما تعلمه في مشروع أو موقف حقيقي، ويطلب من الآخرين ملاحظاتهم، ويوثق إنجازاته حتى يستطيع مستقبلًا عرضها على أصحاب العمل.

وهنا تتحول المهارة من عبارة مكتوبة في السيرة الذاتية إلى دليل يمكن إثباته. وفي النهاية، فإن المهارات الحياتية ليست بديلًا عن الشهادة الجامعية، كما أن الشهادة ليست بديلًا عن المهارات، وإنما يحتاج الخريج إلى الاثنين معًا؛ فالمعرفة التخصصية تمنحه الأساس، والمهارات الحياتية تمنحه القدرة على توظيف هذا الأساس، والتعلم المستمر يمنحه القدرة على مواكبة المستقبل.

وفي سوق عمل يتغيَّر بسرعة، أصبحت المنافسة الحقيقية بين من يحملون المؤهلات ومن يستطيعون تحويل مؤهلاتهم إلى قيمة وإنجاز. ولذلك فإن الشهادة قد تفتح الباب، لكن المهارات هي التي تساعد الخريج على الدخول والنجاح والتقدم. وكل مهارة يتعلمها الإنسان، وكل تجربة يخوضها، وكل خطأ يتعلم منه، وكل معرفة يحولها إلى ممارسة، هي استثمار جديد في مستقبله. فالإنسان لا يصنع مستقبله بما يعرفه فقط، وإنما بما يستطيع أن يفعله بما يعرفه، ولهذا فإن تطوير المهارات الحياتية يمثل واحدًا من أهم الاستثمارات التي يمكن أن يقوم بها الطالب والخريج وكل شخص يسعى إلى تطوير ذاته وصناعة مستقبل أكثر نجاحًا وقدرة على المنافسة.

** مستشار أكاديمي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z