بلا شاهد

 

 

 

ريم الحامدية

reem@alroya.info

حين يُغلق الباب خلفك، يحدث شيء لا يراه أحد، تتغير ملامحك قليلًا، ينخفض صوتك، تخلع عن كتفيك أعباء يوم كامل، وتجلس في مكانك المفضل بالطريقة التي تُشعرك بالراحة. ربما تترك هاتفك بعيدًا، أو تفتح نافذة الغرفة، أو تصمت طويلًا دون أن تشعر بأن عليك تفسير هذا الصمت.

هناك، في تلك المسافة الصغيرة بينك وبين العالم، تظهر نسخة منك لا يعرفها أحد. نسخة لا ترتب كلماتها قبل أن تقولها، ولا تبتسم لأن الموقف يستدعي الابتسام، ولا تقول -أنا بخير- لمجرد أن السؤال جاء في موعده المعتاد.

نسخة تعرف الأشياء التي لا تتحدث عنها، تعرف لماذا يزعجك صوت معين، ولماذا تحتفظ بصورة قديمة لا قيمة لها عند الآخرين، ولماذا تعود أحيانًا إلى أغنية بعينها، لا لأنها الأفضل، بل لأنها تعرف طريقها إلى مكان ما في داخلك، تعرف كم مرة قلت إن الأمر لا يعنيك، بينما ظل يعنيك.

وكم مرة تجاوزت موقفًا أمام الناس، ثم أعدت تفاصيله وحدك في الليل، كأنك تبحث عن جملة كان ينبغي أن تقولها ولم تقلها، الغريب أننا نقضي سنوات طويلة في تعريف الآخرين بأنفسنا، بينما قد نحتاج العمر كله لنتعرف إلى ذلك الشخص الذي يسكن داخلنا.

في الخارج، لدينا أسماء ووظائف ومواعيد وصور وحسابات ورسائل وسيرة يعرفها الناس عنا، أمَّا في الداخل؛ فهناك أرشيف آخر، أشياء لم تُنشر، ومواقف لم تُحكَ، وأحلام لم تجد طريقها إلى الكلام، وخيبات تعلمنا كيف نخفي أثرها جيدًا.

هناك أيضًا أفراح صغيرة لا يعرفها أحد، أن تصل إلى البيت قبل الجميع، أن تجد شيئًا تحبه في مكان لم تتوقعه، أن تسمع صوت شخص تحبه من دون أن تكون مستعدًا لذلك، أن تنجح في أمر لم تخبر أحدًا أنك كنت تخاف ألّا تنجح فيه.

أن تضحك وحدك على موقف سخيف، ثم لا تجد حاجة لأن تشرح لأحد لماذا كان مضحكًا، ربما لهذا لا يمكن لأحد أن يعرفنا بالكامل.

حتى أكثر الناس قربًا منا، يعرفون الطرق التي نمشيها معهم، لا كل الطرق التي مشيناها وحدنا، يعرفون ما قلناه، لا كل ما فكرنا فيه، يرون الوجه الذي اخترنا أن نضعه أمامهم، لا كل الوجوه التي مرّت بنا قبل أن نصل إليه.

وهذا ليس بالضرورة خداعًا؛ فالإنسان لا يخفي نفسه دائمًا لأنه يخجل منها؛ أحيانًا يخفيها لأنها ببساطة مساحته الوحيدة التي لا يريد أن يشاركه فيها أحد، نحتاج إلى مكان لا نكون فيه مطالبين بأن نكون أقوياء، ولا لطفاء، ولا منتجين، ولا حتى مفهومين.

مكان نستطيع فيه أن نتعب دون أن نعتذر، وأن نصمت دون أن يفسر أحد صمتنا، وأن نغيّر رأينا دون أن نعلن أسباب التغيير، وربما أجمل ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يجد شخصًا لا يطالبه بأن يخرج من تلك المساحة، بل يجلس عند بابها بهدوء، حتى يفتح له هو.

ليس ليعرف كل شيء، فقط ليقول له، بطريقة أو بأخرى: "لا بأس أن تكون أنت، حتى في الأشياء التي لا تعرف كيف تشرحها"؛ لأننا في النهاية لسنا النسخة التي يراها العالم فقط.

نحن أيضًا تلك التفاصيل التي لم تجد طريقها إلى الحكاية، والذكريات التي لا يعرف أصحابها أنها ما زالت معنا، والأمنيات التي نخبئها حتى عن أنفسنا، والنسخة التي تظهر حين لا يكون هناك أحد لنؤدي أمامه شيئًا.

وربما لا نحتاج أن يعرف العالم كله هذه النسخة، يكفي أن نعرفها نحن، أن نصادقها، أن نترك لها كرسيًا في داخلنا، بدل أن نقضي أعمارنا في محاولة إسكاتها، ففي مكان ما، خلف كل ما نقوله ونفعله ونظهره للآخرين، يعيش شخص صغير لا يطلب كثيرًا، فقط أن نلتفت إليه أحيانًا ونقول له " أنا أعرفك"!

الأكثر قراءة

z