ظهيرة في "البيت العود"

 

 

 

 

جمال النوفلي

 

ظهيرة السبت المنصرم، كنت برفقة صديقي الدكتور محمود الرحبي في مطرح، تلبيةً لدعوة كريمة وجهها إلينا الوجيه الفاضل رضا عبداللطيف في منزلهم الأيقوني المعروف بـ«البيت العود».

والبيت العود أحد معالم كورنيش مطرح؛ يتميز بشرفاته الواسعة المائلة بأقواسها الزرقاء ناحية بحر عُمان العظيم، وكأنه يستعيد لنا شيئًا من ذاكرة التجارة التقليدية التي امتهنها الحاج علي عبداللطيف في بداية القرن المنصرم، التاجر العُماني المعروف بتجارته العابرة للبحار، والذي أسس وبنى هذا الصرح الجميل قبل نحو مائة عام.

كان صديقي المترجم والكاتب أنور الخنجري من بين المدعوين، وكنت قد تعرفت على شيء من تاريخ هذا البيت من خلال أحاديثه الشيقة عن تاريخ مطرح، ومن خلال مقاله المنشور في جريدة الرؤية بعنوان «البيت العود».

ما في داخل البيت العود لا يقل جمالًا عمَّا في خارجه قالها صديقي الدكتور محمود منبهرًا بالزخارف الزمردية؛ فإلى جانب روعة التصميم وبراعة الهندسة العُمانية القديمة، واحتفاظ المكان بطابعه الكلاسيكي، وجدت حسن الاستقبال وكرم الضيافة والابتسامة الدافئة من الأستاذ رضا وإخوته محمود وحسين ومصطفى الذي شغل منصب وكيل في وزارة التربية والتعليم سابقا.

كان قصي مكي يضحك وهو يلوح لي من الجهة المُقابلة قائلًا: لو سمحت أستاذ أرسل لي المقال الذي كتبته عن مسرح النادي الأهلي. وقد نسيت أمر المقال وسط انشغالي بتفاصيل المكان؛ بالسجاد الأحمر العتيق، والمقاعد الخشبية التي ظلت محتفظة برونقها وفخامتها، وكأن الزمن لم يمضِ عليها كما مضى علينا وعلى أثاث منازلنا.

تذكرت حينها أن معالي حسين عبداللطيف كان أحد رواد المسرح في تلك الفترة برفقة أخويه رضا عبداللطيف والمخرج أمين عبداللطيف وقصي مكي وآخرين، وأنهم قدموا مسرحيات كبيرة لاقت استحسان الجمهور وتفاعله.

أما الأستاذ محمود عبداللطيف، فقد أخذني إلى حكاية أخرى، حين حدثني عن بدايات الرياضة والأندية في مسقط، وتوسع في الحديث عن بطولات شباب مطرح في لعبة الهوكي، وعن البدايات الأولى للرياضة في نادي مقبول، الذي يُعد من أوائل الأندية الرياضية في عُمان إن لم يكن أولها.

سألته: ومن يكون مقبول هذا الذي سُمي النادي باسمه؟

صدمتني إجابته؛ فقد كان مقبول باكستانيًا يعمل كمسؤول عن الخزينة لدى السلطان سعيد بن تيمور واسمه مقبول حسين، لا شك أنه كان رجلًا فاضلًا لديه تطلعات اجتماعية وشبابية، وكان من المؤسسين الأوائل لهذا النادي، فسُمي باسمه. وكان تجار مطرح ومسقط من أبرز المبادرين والداعمين للنادي، والذي أصبح فيما بعد نادي عُمان، وحوله تشكَّلت فرق رياضية، ودارت منافسات هوكي حامية الوطيس.

يقول محمود عبداللطيف: في إحدى المرات كنَّا عائدين مشيًا بعد أن انتصرنا في مباراة هوكي صعبة لنادي مقبول، وكان أهل مسقط غاضبين وحانقين علينا بسبب خسارة فريقهم. وحين بلغنا قبيل عقبة ريام، بدأت النساء والفتيات ينهلن علينا بالحجارة والحصى!

قصص كثيرة استمتعت بها في تلك الظهيرة، كان محمود عبداللطيف وعلي محمد سلطان يستعيدانها بأعين لامعة، وكأنهما يعيشان اللحظة من جديد بشخوصها وأصواتها وتفاصيلها.

ثم أخذني الأستاذ رضا في جولة ماتعة حول المنزل البهي، فاتضح لي أنه مكوّن من ثلاثة أجزاء، وكل جزء منها مزخرف بالحكايات والتاريخ. في أرجائه تحف أثرية، ورسومات جميلة معلقة على الجدران، وصحون وأوعية نادرة تدل على ذوق أصحاب المنزل واهتمامهم بحفظ الذاكرة.

ثم كانت المكتبة، وصور المخطوطات والمخاطبات القديمة بين الحاج علي عبداللطيف والسلطان سعيد بن تيمور. وبين الكتب كتابان من تأليف الأستاذ رضا؛ أحدهما في القصص القصيرة (رماد الأشياء)  والآخر في الشعر (سقيا المطر)، وقد أهدانيهما مشكورًا، وإن لم تسنح لي الفرصة بعد لقراءتهما.

كل شيء كان جميلًا في تلك الظهيرة؛ البيت، والحكايات، والوجوه، وحتى النوارس والهواء المنعش القادم من البحر، وعربات التلفريك المعلقة في السماء ورائحة البخور المتسللة من بين أزقة السوق.

شكرًا لكم، أبناء الحاج علي عبداللطيف، على لطفكم وكرمكم ومحبتكم، وعلى هذه الظهيرة التي لم تكن مجرد دعوة إلى منزل جميل، وإنما كانت رحلة قصيرة إلى ذاكرة مطرح، وإلى زمن ما زالت حكاياته تسكن البيوت والقلوب.

الأكثر قراءة

z