عزيزة راشد
حين ينساب الليل بين طيات أمواج نهر دجلة، تهطل قصائد نازك الملائكة والجواهري والسياب والرصافي والزهاوي والمتنبي والبياتي، وتطفو عشبة خلود جلجامش على النهر والتي تذكر المصادر أنه أمضي عمره باحثًا عنها ولم يجدها إلا في بحر عُمان، وعاد بها إلى أرض الرافدين، وكأنَّ جزءًا من عُمان هنا، منح الخلود لمن بحث عنه ولم يجده.
بغداد عندما تدعوك لزيارتها فهي لا تدعوك عبثًا، إنما تنادي الساكن في قلبك ليأتي وينسجم هنا مع نصفه الآخر، وجودك في بغداد ليس صدفة وكأنَّ شيئًا ما ينتظرك هنا ليكمل جزءًا من قصتك التي كتبت بالأصل هنا على ضفاف دجلة والفرات.
بغداد مدينة مفخخة بالفرح، تُغادرها ولكنها لا تغادرك، تسكنها وتسكن فيك، تتجول في دمك وتنبض مع نبضك وتقف تحرس الذكريات عند مدخل الشريان.
هنا الكثير من الشعر والقصص ومواويل الفقد، خلف كل حجر شاعر وأمام كل امرأة قصيدة، لا يتحدث العراقيين كبقية سكان الوطن العربي، فكلمات مثل "تدللي عيني" و"أروح لك فدوة" و"أنا خادمك"، تسبق حديثهم، تصبح أمامهم مكبل لا تسعفك كلماتك لترد عليهم فهم قاموس الكلمات اللطيفة في زمن شحت فيه الكلمات ولم تعد هناك مساحات للمحبة.
الهاتف هنا في بغداد لا يرن إلا بصوت الأصدقاء وكأنك رغيفهم اليومي، يطمئنون عليك يأخذونك لأماكن يتحدثون عنها بكل فرح وكأنها الفرحة الأولى والحلم الذي تحقق والدهشة المنتظرة، تقابلك الشرفات المعتقة بالحكايات والضحكات في شارع المتنبي بمقاهيه المكتنزة بذكريات الوجوه، لا تزال جدران البيوت القديمة تخرج من شقوقها ضحكات الأطفال وأسرار خبأها ليل عتيق، تاريخ وعظماء ومقابر لأولياء اختاروا أن يتلحَّفوا بتراب العراق.
في طرقات بغداد تشعر بأن العالم بدأ هنا ولن ينتهي، وإن النور كان يسري من منارات بغداد ليضيء عتمة ليالي الظلام في العالم، ترتبك حين يعبر الوقت سريعًا فساعتك لم تستطع أن تفسر سريان الوقت السريع، لتقف كعلامة تعجب وتتساءل: هل انتهى الليل في بغداد، هل انتهى كله؟
