ناصر بن سلطان العموري
ليست كل الأزمات تبدأ بضجيج؛ فبعضها يبدأ ببقعة سوداء تتمدد فوق صفحة البحر، قبل أن تتحول إلى أسئلة أكبر من حدود حادث بحري عابر وما تشهده السواحل العُمانية جراء حادثة ناقلة النفط «كارولين بيزنجي» يستحق أن يحظى باهتمام واسع، ليس من باب التهويل، وإنما من باب التحسب والاستعداد، لأن الخطر قد يتجاوز البحر إلى البيئة والاقتصاد والأمن الغذائي والمائي.
وصول التلوث الزيتي إلى شواطئ منطقة رأس مدركة يعني أن الحادث دخل مرحلة أكثر حساسية، تستدعي استمرار الرصد والمراقبة والاستجابة الميدانية وقد أصبحت هذه الجهود تحت إشراف اللجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة في سلطنة عُمان، بما يعكس طبيعة الحادث والحاجة إلى تنسيق وطني بين مختلف الجهات المعنية للتعامل مع آثاره والحد من تداعياته، خشية أن يتطور إلى كارثة بيئية واسعة، وهو ما لا نأمل حدوثه.
القلق لا يتعلق فقط بما تسرب حتى الآن، وإنما بما قد تؤول إليه الأمور إذا تطورت الظروف إلى السيناريو الأسوأ. فالظروف البحرية المصاحبة لموسم الخريف، بما تحمله من رياح وأمواج، قد تزيد من صعوبة عمليات الاحتواء والمكافحة، كما أن أي ضرر إضافي يلحق بالناقلة قد يؤدي إلى تسرب كميات أكبر من النفط، الأمر الذي يجعل السيطرة على التلوث أكثر تعقيدًا وكلفة.
وتزداد خطورة المشهد بسبب الطبيعة البيئية الحساسة للمنطقة؛ فجزر الحلانيات وما يحيط بها من مياه بحرية تمثل موائل مهمة للعديد من الكائنات، فيما تشكل الشعاب المرجانية والمناطق الساحلية ومواقع تعشيش السلاحف والطيور البحرية جزءًا من منظومة بيئية متكاملة وأي تلوث نفطي واسع قد لا يؤدي فقط إلى نفوق بعض الكائنات، بل قد يترك آثارًا تمتد إلى موائلها ومصادر غذائها وسلسلة الحياة البحرية بأكملها.
ولا يمكن تجاهل الحيتان والدلافين والكائنات البحرية الأخرى التي ترتاد هذه المياه، وفي مقدمتها الحوت الأحدب النادر المعرض للانقراض، الذي يجعل وجوده في هذه المنطقة مسؤولية بيئية مضاعفة كما أن وصول التلوث إلى مناطق تعشيش السلاحف، قد يضاعف حجم الأضرار ويهدد دورة تكاثرها.
ثم يأتي الصياد العُماني في قلب هذه المعادلة؛ فالبحر بالنسبة له ليس منظرًا طبيعيًا، وإنما مصدر رزق وحياة. وأي تلوث واسع قد يفرض قيودًا على الصيد، ويثير مخاوف بشأن سلامة الأسماك، ويؤثر في دخل الأسر الساحلية، فضلًا عن انعكاساته المحتملة على الأسواق والسياحة الساحلية.
أما الجانب الأكثر حساسية، فهو الأمن المائي. صحيحٌ أن الجهات المختصة أكدت عدم وجود تهديد مباشر لمحطات تحلية المياه في الوقت الراهن، لكن احتمال اقتراب التلوث مستقبلًا من مناطق سحب المياه يفرض الاستعداد لكل الاحتمالات، ووضع خطط بديلة تضمن استمرار الإمدادات المائية إذا اضطرت أي محطة إلى تقليص إنتاجها أو التوقف مؤقتًا.
ومن هنا، فإن التعامل مع الأزمة لا ينبغي أن يقتصر على إزالة بقع الزيت من الشواطئ، بل يجب أن يشمل تقييمًا مستمرًا للآثار البيئية والاقتصادية، ومراقبة الشعاب والكائنات البحرية والثروة السمكية، وطمأنة المواطنين بالمعلومات الدقيقة والشفافة، إلى جانب تحديد المسؤوليات والتعويضات عن أي أضرار قد تلحق بالبيئة أو مصادر رزق المواطنين.
وفي ظل الطبيعة العابرة للحدود التي قد يتخذها أي تلوث نفطي واسع في بحر العرب، فإن الاستفادة من الخبرات الدولية المتخصصة قد تكون خطوة احترازية مهمة ومن هنا تبرز أهمية إشراك المنظمات البيئية التابعة للأمم المتحدة، والمنظمات الدولية والإقليمية ذات الخبرة في مكافحة التسربات النفطية، للاستفادة من خبراتها الفنية في تقييم الوضع، وتقديم المشورة بشأن أفضل أساليب الاحتواء والمعالجة، والحد من اتساع رقعة التلوث ووصولها إلى سواحل دول أخرى في بحر العرب. فالتعاون الدولي في مثل هذه الحالات لا ينتقص من الجهود الوطنية، بل يعززها، ويتيح الاستفادة من تجارب وخبرات تراكمت عبر التعامل مع كوارث بيئية بحرية مماثلة حول العالم.
لسنا بحاجة إلى صناعة الخوف، كما أننا لسنا بحاجة إلى التقليل من حجم المخاطر المطلوب هو الواقعية والجاهزية والاستباق؛ فالكوارث الكبرى غالبًا لا تبدأ كبيرة، وإنما تكبر عندما لا نستعد لاحتمالاتها.
البحر بالنسبة لعُمان ليس مجرد مساحة مائية؛ إنه ثروة وبيئة ومصدر غذاء ورزق، وجزء مهم من منظومة الأمن المائي والاقتصادي؛ فالنفط يمكن احتواؤه، لكن بعض الأضرار التي يتركها وراءه قد تحتاج سنوات طويلة حتى تتعافى... وربما لا تعود كما كانت.
