حين انتصرت الفطرة على الأنا

 

 

 

 

يارا الحايك **

هناك لحظات صغيرة في ظاهرها، لكنها تكشف حقيقة الإنسان أكثر مما تكشفه المواقف الكبرى. لحظات لا تحتاج إلى شهود أو ضجيج أو تصفيق لأنها تحدث في المساحة الخفية بين الإنسان وذاته؛ حيث تسقط كل الأقنعة، وتتراجع كل الحسابات، ولا يبقى إلا السؤال الأصدق: ماذا نختار عندما لا يرانا أحد؟

فالإنسان لا تكشفه فقط الأشياء التي يملكها إنما تكشفه أكثر الأشياء التي يستطيع أن يتنازل عنها. ففي لحظة الاختيار تظهر المسافة بين الإنسان كما يبدو أمام الآخرين والإنسان كما هو في أعماقه. هناك تُختبر القيم الحقيقية، لا بالكلمات التي نقولها، إنما بالمواقف التي نختارها حين لا ننتظر شكرًا ولا مكافأة، فبعض المواقف لا تختبر مقدار معرفتنا، إنما تختبر مقدار ما بقي فينا من إنسانية، ولا تكشف ما جمعناه من خبرات، إنما تكشف ما حفظناه من فطرة.

تُروى قصة متداولة عن معلمة تعمل في مدرسة ابتدائية صغيرة في قرية عربية فقيرة نائية. كانت تعرف طلابها بما هو أبعد من أسمائهم ودرجاتهم؛ كانت ترى في وجوههم تفاصيل لا تظهر في دفاتر الحضور والانصراف، تعرف من يأتي بثياب بسيطة، ومن يخفي حاجته خلف ابتسامة، ومن يحمل في عينيه حلمًا أكبر من ظروفه.

كانت المعلمة نوال تدرك أن الطفل لا يحتاج إلى التعليم وحده، إنما يحتاج أيضًا إلى شعور عميق بأنه مرئي، وأن هناك من يقدّر وجوده ويؤمن بقدرته على تجاوز واقعه. فالطفل لا ينمو بالمعرفة فقط، بل ينمو بالاهتمام، وبالإحساس بأن العالم لم يغلق أبوابه في وجهه.

وفي محاولة منها لتحفيز طلابها، وعدتهم بهدية بسيطة لمن يحصل على العلامة الكاملة في الامتحان: حذاء جديد، قد يبدو هذا الوعد عاديًا في عالم اعتاد وفرة الأشياء، لكنه بالنسبة لطفل يعيش في بيئة محدودة الإمكانات قد يحمل معنى أكبر من حجمه المادي؛ فهو ليس مجرد قطعة تُلبس، بل رمز للاهتمام، وإشارة إلى أن هناك من انتبه إلى حاجته، وفرحة صغيرة تخبره بأن الحياة ما زالت تحمل له بعض الضوء.

اجتهد الأطفال، وجاء يوم إعلان النتائج. وكانت المفاجأة أن جميع الطلاب حصلوا على العلامة الكاملة. فرحت المعلمة نوال بهذا النجاح الجماعي، لكنها وجدت نفسها أمام سؤال يتجاوز الحسابات البسيطة: كيف تمنح هدية واحدة يستحقها الجميع؟

كان بين هؤلاء الأطفال طفلة هادئة اسمها وفاء. كانت تجلس في الصف بهدوء، لا تحب أن تكون موضع انتباه، وكأنها اعتادت أن تحمل ظروفها بصمت. لم تكن كثيرة الشكوى، ولم تكن تطلب شيئًا من أحد، فقد كانت تمتلك ذلك النوع من الكرامة الصامتة التي تجعل الإنسان يخفي حاجته حتى لا يشعر بأنه مختلف عن الآخرين، كان حذاؤها القديم يحمل آثار زمن طويل من الاستخدام؛ متعبًا وبسيطًا مثل كثير من الأشياء التي ترافق حياة الأطفال الذين يكبرون في مواجهة الحاجة. ومع ذلك، لم تكن وفاء تنظر إلى نفسها بعين الانكسار، بل كانت تحاول دائمًا أن تكون مثل بقية زميلاتها، تضحك معهم، وتجتهد في دراستها، وتحمل حلمها الصغير بهدوء.

كان زملاؤها يعرفون حالها. كانوا يرون ما تحاول هي إخفاءه، وهم ليس بحال أفضل منها، ويرون كيف تفرح بالأشياء البسيطة كما يفرحون وكأنها كنوز ثمينة.

اقترحت المعلمة نوال على الأطفال أن يكتبوا أسماءهم في أوراق صغيرة، ثم توضع في صندوق، وتسحب هي بعد ذلك ورقة واحدة. بدا الأمر حلًا عادلًا، لكنه كان في الحقيقة امتحانًا أعمق؛ امتحانًا لا تُقاس نتيجته بالأرقام، بل بما تختزنه القلوب.

مدّت المعلمة يدها إلى الصندوق، وسحبت ورقة، ثم فتحتها ببطء.

كان الاسم المكتوب: وفاء.

تقدمت الطالبة وفاء بخطوات مترددة تحمل مزيجًا من الخجل والفرح. كانت تعرف قيمة هذه الهدية، لأنَّ الحذاء بالنسبة لها لم يكن مجرد شيء جديد، بل كان استجابة لحاجة حقيقية طال انتظارها.

لكن المُفاجأة الكبرى لم تكن في الورقة التي خرجت من الصندوق، إنما في الأوراق التي بقيت داخله. فعندما فتحت المعلمة نوال بقية الأوراق، اكتشفت أنَّ جميع الأطفال كتبوا اسم وفاء، ولم يكتب أي طفل اسمه. ثم جاءت المُفاجأة التي جعلت المشهد أكثر عمقًا وتأثيرًا؛ فعندما راجعت المعلمة عدد الأوراق وعدد الطلاب، أدركت أنَّ وفاء نفسها لم تكتب اسمها. لقد كانت هي الأخرى قد اختارت أن تمنح الفرصة لغيرها، رغم أنَّها كانت الأكثر حاجة إلى تلك الهدية.

في تلك اللحظة لم تكن المعلمة تقرأ أسماء على أوراق صغيرة، بل كانت تقرأ درسًا كبيرًا في معنى الإنسان. فلم يكن الإيثار في هذا الصف موقفًا من طرف واحد؛ فالأطفال آثروا وفاء على أنفسهم وهم في حاجة لحذاء، ووفاء آثرت غيرها حتى وهي أحوج الناس إلى ذلك الحذاء. لقد التقت قلوب صغيرة عند معنى واحد: أن الفرح الحقيقي لا يكتمل حين نأخذه لأنفسنا فقط، بل حين نكون سببًا في وصوله إلى الآخرين.

عادت المعلمة نوال إلى منزلها في ذلك المساء وهي تحمل في قلبها دهشة لا تشبه أي دهشة؛ فقد كانت تحمل معها قصة أكبر من مجرد حذاء، قصة عن قلوب صغيرة استطاعت أن تفعل ما يعجز عنه كثير من الكبار.

وعندما أخبرت زوجها حاتم بما حدث، لم يستمع إلى قصة عابرة، بل أصغى إلى درس عظيم في معنى العطاء. جلس متأملًا كيف استطاع أطفال، رغم حاجتهم، أن يقدموا فرحة غيرهم على فرحتهم، لم يرَ حاتم في الأمر مجرد لحظة مؤثرة، إنما رأى رسالة تستحق أن تتحول إلى فعل. وفي اليوم التالي، اتخذ قرارًا يجسد المعنى نفسه الذي صنعه الأطفال؛ فقد باع ساعته الوحيدة ليشتري أحذية جديدة لجميع طلاب الصف، حتى لا يبقى الخير محصورًا في طفل واحد، بل يتحول إلى فرحة جماعية تليق بقلوبهم البيضاء. ولم تكن قيمة الساعة في ثمنها، بل في المعنى الذي حملته؛ فقد تحولت من أداة لقياس الوقت إلى شهادة على أن أجمل الأوقات هي تلك التي يمنح فيها الإنسان شيئًا من نفسه للآخرين.

وهكذا اكتملت دائرة الجمال: أطفال رأوا زميلتهم خلف الحاجة، وطفلة أحبت الخير رغم حاجتها، ومعلمة اكتشفت عظمة الموقف، وزوج حوّل التأثر إلى أثر. فالأفعال النبيلة لا تنتهي عند أصحابها؛ إنها تشبه الضوء، كلما انتقلت من قلب إلى آخر اتسعت دائرتها. وسواء صحت تفاصيل هذه القصة كما تُروى أو بقيت رمزًا يحمل قيمة إنسانية عميقة، فإن جوهرها يضعنا أمام سؤال يتجاوز حدود المكان والزمان: متى يبدأ الإنسان في الابتعاد عن فطرته؟

فالإنسان يولد وفي داخله قدرة طبيعية على التعاطف واستعداد فطري للشعور بالآخرين، لكن الحياة بما تحمله من منافسات وضغوط وحسابات قد تدفعه تدريجيًا إلى الانغلاق داخل ذاته، وهنا تبدأ معركة الإنسان الحقيقية: معركة الأنا.

الأنا ليست عيبًا في ذاتها، فهي جزء من طبيعة الإنسان التي تحفظ له وجوده وكرامته، لكن الخطر يكمن عندما تتحول إلى مركز يبتلع كل شيء حوله. عندها يفقد الإنسان القدرة على رؤية احتياجات الآخرين، ويصبح أكثر وعيًا بما ينقصه وأقل انتباهًا لما ينقص غيره.

إنَّ التربية الحقيقية ليست صناعة عقول قادرة على النجاح فقط، بل بناء ضمائر قادرة على الرحمة. فالطفل الذي يتعلم اليوم أن يفرح لفرح غيره، سيكون غدًا إنسانًا يرى النجاح مسؤولية لا امتيازًا، ويرى القوة أمانة لا تفوقًا. ولعل هذا هو جوهر الإيثار الذي رفعه القرآن الكريم إلى منزلة عظيمة حين قال سبحانه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: 9)؛ فالإيثار ليس أن تمنح مما يفيض عن حاجتك، بل أن تقدم الخير وأنت تدرك قيمة ما تمنح. ولذلك كان من أصعب الفضائل وأجملها؛ لأنه لا ينتصر على الفقر فقط، بل ينتصر على نزعة التملك داخل النفس.

إنَّ العالم لا يحتاج فقط إلى مزيد من الأذكياء، بل إلى مزيد من الحكماء. لا يحتاج فقط إلى من يعرفون كيف يصنعون الأشياء، بل إلى من يعرفون لماذا تُصنع، ولمن ينبغي أن تخدم. وربما كانت تلك الأوراق الصغيرة في صندوق طفل فقير رسالة عميقة لنا جميعًا: أن الخير لم يغادر الإنسان، وأن الفطرة لم تمت، لكنها تحتاج أحيانًا إلى لحظة وعي كي تتحرر من ضجيج الأنا.

وفي النهاية.. ليست العبرة فيمن حصل على الحذاء، بل في القلوب التي استطاعت أن ترى حاجة غيرها قبل حاجتها، فالسؤال الحقيقي الذي يبقى معنا ليس: ماذا أخذنا من الحياة؟ إنما ماذا تركنا فيها؟

وعندما توضع أمامنا ورقة الاختيار بعيدًا عن أعين الناس، وبعيدًا عن الثناء والاعتراف، ويصبح القرار بين أن نختار أنفسنا أو أن نختار من يحتاج إلينا... عندها فقط يظهر الإنسان الحقيقي.

هناك، في تلك اللحظة الصامتة، تنتصر الفطرة على الأنا.

 

** كاتبة سورية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z