حاتم الطائي
◄ قطاع الثروة السمكية يُسهم بقيمة اقتصادية مضافة تتجاوز 520 مليون ريال سنويًا
◄ فرض رسوم بحرية يضمن توفير المورد المالي لمُواجهة التلوث البيئي في البحار
◄ ضرورة التعاون مع المنظمات الدولية لضمان فاعلية جهود مكافحة التلوث
كشفت حادثة السفينة الجانحة بالقرب من جزيرة القبلية الواقعة ضمن أرخبيل جزر الحلانيات، عن كارثة بيئية بمعنى الكلمة؛ ففي بداية الأمر ومع اتساع نطاق التسرب النفطي من هذه السفينة الجانحة، غطّت البقعة النفطية مساحةً تصل إلى 400 كيلومتر مربع، بينما تطفو فوق سطح البحر تتقاذفها الأمواج والرياح، حتى وصل هذا التلوث الزيتي إلى منطقة رأس مدركة، وبلغ نطاق الشواطئ المتأثرة بالتلوث في المنطقة نحو 12 كيلومترًا.
تتوالى هذه الأحداث والجميع يضع يده على قلبه في حالة ترقب وانتظار لتقديرات الجهات المعنية لحجم التلوث الفعلي القائم على المُعاينة والرصد، ومدى تضرر الشعب المرجانية أو مواقع تعشيش السلاحف، وكذلك تأثيراتها على الثروة السمكية، والتي تمثل واحدة من كنوز عُمان ومصدر رزق لأعداد كبيرة من الصيادين والعاملين في هذا القطاع الاقتصادي الحيوي، والذي سجّل 520 مليون ريال قيمةً مضافةً في النشاط الاقتصادي للسلطنة، ويُسهم بحوالي 1.3% في الناتج المحلي الإجمالي، ويعمل فيه أكثر من 27 ألف شخص. ولذلك نحن لا نتحدث عن قطاع هامشي أو منظومة اقتصادية أو بيئية غير مؤثرة؛ الأمر الذي يفرض على الجهات المعنية رفع درجات الجاهزية والاستعداد لأعلى مستوى، تحسباً لما قد يحدث خلال الأيام القليلة المُقبلة، واتخاذ جميع التدابير اللازمة من أجل احتواء التلوث والسيطرة عليه، والحد من تداعياته الضارة، والأهم من ذلك كله احتواء مصدر التلوث، خاصةً وأنَّ أول بيان رسمي صدر عن الجهات المختصة، ذكر أن الجهود تتواصل من أجل "تحديد مصادر التسرب"، وهو أمر نستطيع أن نفهمه في ظل التيارات البحرية الشديدة في هذه المنطقة تزامنًا مع الرياح الموسمية وموسم الخريف الذي يُؤثر على مستوى الرؤية.
وفي ظل هذه التطورات أطرح قضيتين بالغتي الأهمية، إذا ما استطعنا التفاعل بصورة جيدة معهما، نجحنا في تجاوز هذه الأزمة وكذلك أي أزمات مستقبلية لا قدر الله.
أولًا: ضرورة فرض رسوم خدمات بحرية على السفن العابرة بالمياه العُمانية، والتي تتسبب في تلوث بيئي ندفع ثمنه اليوم وستدفع ثمنه الأجيال القادمة، لا سيما وأنَّ الغالبية من هذه السفن تحمل في داخلها شحنات من النفط أو الغاز، وهي مصادر تلوث لا محدود، في حال وقوع كارثة مثل التي نواجهها هذه الفترة.
ولقد طُرحت مسألة الرسوم في مضيق هرمز في إطار الأزمة الجيوسياسية الراهنة، لكن النقطة الجوهرية التي نُسلط الضوء عليها، أنَّ هذه الرسوم يجب أن تشمل جميع المياه العُمانية، سواء في مضيق هرمز أو بحر عُمان أو بحر العرب. ونُشدد على أنها رسوم خدمات بحرية وليست رسوم عبور، انطلاقًا من المبادئ الراسخة التي تُؤمن بها سلطنة عُمان وملتزمة بها دوليًا. والمقصد من رسوم الخدمات البحرية، توفير الموارد المالية اللازمة لتنفيذ عمليات حماية بيئية ورصد للمخاطر والتعامل معها، وحماية البيئة البحرية من الأضرار التي تتعرض لها نتيجة مرور السفن في هذه المياه. ونشير هنا إلى أنَّ دراسات علمية كشفت أن 20% من بقع النفط في بحار العالم مصدرها السفن، وأن مسارات الشحن تُعد الأكثر كثافة من حيث حجم هذه البقع. والمياه العُمانية تمثل أحد أكثر مسارات الشحن ازدحامًا بالسفن، ما يؤكد ضرورة اتخاذ إجراءات للتعامل مع هذا الوضع المُهدد للحياة البحرية برمتها. وقد تحدثتُ مع خبراء في الشؤون البيئية وأكدوا أنَّ بقع التلوث النفطي مهما كانت صغيرة أو منخفضة الكثافة، فإنها تمثل تهديدًا لا يُستهان به، ومصدر خطر كبير على الثروة السمكية.
وفي مسألة رسوم الخدمات البحرية، فإنَّ الحديث لا ينحصر فقط حول حوادث التسرب النفطي أو سفن الشحن التي تحمل النفط، وإنما جميع السفن العابرة، فالسوائل الزيتية الضارة تتسرب من كل سفينة في البحر؛ حيث تتراكم الزيوت والسوائل الخطرة في قاع السفينة، ثم يتم التخلص منها في عرض البحر، مسببة تلوثًا بحريًا غير مرصود بكل أسف، ونادرًا ما تُعاقب سفنٌ على جريمة التخلص من هذه السوائل.
ثانيًا: طلب الدعم الدولي في مواجهة مثل هذه الحوادث؛ إذ لا يجب أن نخوض المعركة بمفردنا، فهذه السفينة الجانحة قبالة جزر الحلانيات، لم تكن وجهتها سلطنة عُمان ولم تخرج من الموانئ العُمانية، والنفط المحمول بداخلها ليس نفطًا عُمانيًا، ما يفرض ضرورة إشراك جهات دولية مثل برنامج الأمم المتحدة للبيئة والمنظمة البحرية الدولية، كما علينا أن نحتكم إلى الاتفاقيات الدولية في هذا الصدد، مثل اتفاقية ماربول وهي الاتفاقية الدولية الأساسية لمنع التلوث الناتج عن السفن، وكذلك اتفاقية لندن، والمعنية بمكافحة التلوث البحري، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
وسلطنة عُمان واحدة من أبرز الدول الرائدة في حماية البيئة والمساهمة في جهود صون البيئة البحرية، وتسهم بصورة كبيرة في التعاون الدولي في مجال حماية البيئة البحرية، سواء من خلال الانضمام إلى المعاهدات أو توقيع الاتفاقيات، علاوة على تنفيذ برامج بيئية عالمية، وكلها تستهدف التعاون الدولي في مجال حماية البيئة البحرية ومُواجهة التحديات المتعلقة بها.
ومع إيماننا الشديد بقدرة مؤسساتنا الوطنية على التعامل مع أية حوادث أو تلوث بيئي، إلّا أننا نرى في الوقت ذاته ضرورة الحصول على مساعدة دولية من هذه المنظمات، خاصة وأنَّ إسهام عُمان ماليًا وتنفيذيًا لا يقل عن أي دولة أخرى. ولذلك نأمل أن تستجيب الجهات المعنية إلى هذا المقترح، لضمان تكثيف جهود السيطرة على هذا التلوث البيئي الخطير.
ورغم أن التعامل الوطني مع هذه الأزمة عكس حالة الاستجابة المؤسساتية المتكاملة، إلّا أننا كُنَّا نأمل التحرك المُسبق والفاعل قبل وقوع الكارثة؛ إذ لم يتجاوز هذا التحرُّك دعوة وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، مالك السفينة الجانحة لسحبها وانتشالها، وحددت له موعد أقصاه 23 يوليو الماضي، وتوعدت الوزارة مالك السفينة باتخاذ الإجراءات اللازمة، والتي لم نعلم عنها أي شيء، ويبدو أن هذه الدعوة لم تحقق أي نتيجة مرجوة، بدليل استمرار وجود السفينة إلى يومنا هذا في موقعها، والخوف كل الخوف من استمرار التسرب النفطي من بدن السفينة، التي باتت قنبلة بيئية حقيقية.
ويبقى القول.. إنَّ التحديات المرتبطة بالبيئة البحرية وما نشهده من حوادث تلوث حول العالم، ووصول هذه الحوادث الخطيرة إلى مياهنا الاقتصادية وتهديدها لمصادر رزق أبناء هذا الوطن، تفرض على جميع مؤسسات الدولة تكثيف الجهود من التعامل الفاعل والسريع مع التداعيات، والاستعانة بالمنظمات الدولية المتخصصة، وبدء فرض رسوم خدمات بحرية على السفن العابرة بالمياه العُمانية، فضلًا عن رفع قضية دولية تطالب مالك السفينة بالتعويضات المناسبة عن الأضرار التي تعرضنا لها في سلطنة عُمان، إلى جانب أهمية تشكيل تحالف دولي للتدخل السريع في الحوادث البحرية، من أجل ضمان سلامة البيئة البحرية وحماية الثروة السمكية والشعب المرجانية من أية مخاطر أو تهديدات.
