عباس الزدجالى
هل تصل بقعة «كارولين بيزنجي» إلى أهم شواطئ السلاحف الخضراء في عُمان؟
لم يعُد التسرب النفطي من الناقلة Caroline Bezengi مشكلة محصورة حول جزر الحلانيات؛ فقد وصل النفط إلى الساحل العُماني عند رأس مدركة، بينما أشارت التوقعات إلى احتمال امتداد التلوث شمالًا باتجاه مصيرة بفعل الرياح والتيارات الموسمية.
وإذا واصلت أجزاء من البقعة تقدمها شمالًا، فإنَّ السؤال الذي ينبغي طرحه قبل فوات الأوان هو: هل يمكن أن تصل إلى رأس الحد ورأس الجنز، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف الخضراء في العالم؟
حتى الآن لا توجد أدلة موثوقة على وصول تلوث Caroline Bezengi إلى رأس الجنز، كما لا يوجد نموذج رسمي منشور يؤكد أنه سيصل إليها. ومن ثم فإن الحديث عن وصول محتوم سيكون مبالغة. لكن الخطأ الأكبر سيكون انتظار ظهور البقعة الزيتية على رمال المحمية قبل الاستعداد لمواجهتها.

أثبت الحادث نفسه قدرة التلوث على الانتقال مئات الكيلومترات من موقع الناقلة. وإذا تجاوزت بقع منه مصيرة وواصلت الحركة شمالًا، فسيدخل نطاق رأس الحد ورأس الجنز دائرة الخطر بصورة أكبر.
وفي المقابل، هناك عامل طبيعي قد يساعد على حماية المنطقة؛ ففي موسم الخريف يتحرك التيار الساحلي على امتداد بحر العرب، لكنه عند رأس الحد ينحرف جزء قوي منه إلى عرض البحر فيما يعرف بـ«نفاثة رأس الحد».
وقد يؤدي ذلك إلى سحب جزء من النفط بعيدًا عن الساحل بدلًا من التفافه حول الرأس. لكنه ليس حاجزًا مضمونًا؛ فالدوامات والرياح والأمواج يمكن أن تدفع شرائط منفصلة من النفط أو الكرات القطرانية إلى الشواطئ.
وتزداد خطورة الاحتمال بسبب التوقيت؛ فشهر أغسطس ليس بداية موسم تعشيش السلاحف الخضراء كما قد يعتقد البعض، بل يقع في قلب ذروة الموسم؛ إذ تشير هيئة البيئة إلى أن أعلى كثافة للتعشيش تكون من يونيو إلى سبتمبر، بينما يبدأ خلال أغسطس أيضًا خروج الصغار من البيوض الموضوعة قبل أسابيع.
وهذا يعني أن وصول النفط الآن قد يُهدد جيلين في الوقت نفسه: إناثًا بالغة تخرج ليلًا من البحر لتحفر أعشاشها وتضع البيض، وصغارًا لا يتجاوز طولها بضعة سنتيمترات تشق طريقها من الرمال إلى البحر.
وتكشف الأرقام حجم ما نتحدث عنه؛ فقد أعلنت هيئة البيئة أن محمية السلاحف استقبلت خلال موسم 2026 قرابة 60 ألف سلحفاة خضراء للتعشيش، وأعيد نحو 121 ألفًا من صغار السلاحف إلى البحر. وتوضح البيانات التاريخية مدى أهمية أغسطس تحديدًا؛ ففي أغسطس 2012 مثلًا سجلت الهيئة 10239 حالة تعشيش.
ومن هنا فإن وصول النفط في أغسطس سيكون في واحد من أسوأ التوقيتات البيئية الممكنة: ذروة التعشيش تتزامن مع بداية التفقيس.
وتزداد أهمية الحماية لأن نطاق محمية السلاحف يمتد نحو 45 كيلومترًا من رأس الحد إلى رأس الرويس، ويضم مجموعة من أهم شواطئ تعشيش السلاحف الخضراء في المحيط الهندي.
التجارب العالمية تقدم دروسًا واضحة. ففي كارثة Deepwater Horizon في خليج المكسيك عام 2010 تعرضت موائل السلاحف لخطر شديد، واضطرت السلطات إلى تنفيذ عمليات واسعة لإنقاذ السلاحف، ومراقبة الشواطئ، بل ونقل آلاف البيوض من أعشاش مهددة إلى مواقع حضانة أكثر أمنًا. وكانت عملية استثنائية ومعقدة، أكدت أن التعامل مع النفط بعد وصوله إلى شاطئ التعشيش أصعب بكثير من منعه من الوصول إليه.
وفي حادثة Wakashio في موريشيوس عام 2020، استخدمت الحواجز العائمة ووسائل الامتصاص لحماية المناطق البيئية الحساسة، لكن التجربة أظهرت أيضًا محدودية الحواجز التقليدية عندما تواجه أمواجًا وتيارات قوية.
والدرس المشترك بسيط: الدفاع عن الشاطئ يبدأ في البحر، وليس على الرمال؛ لذلك ينبغي منذ الآن إنشاء خط مراقبة مبكر من شمال مصيرة إلى رأس الحد ورأس الجنز باستخدام الأقمار الصناعية والطائرات والمسح البحري والنمذجة اليومية للرياح والتيارات. فالسؤال المطلوب ليس أين توجد البقعة اليوم، وإنما أين ستكون بعد 24 و48 و72 ساعة؟
كما ينبغي نقل الحواجز العائمة والكاشطات والمواد الماصة ومعدات مكافحة التلوث إلى المنطقة مسبقًا. والحواجز ليست سورًا يمكن مده عشرات الكيلومترات أمام شاطئ مفتوح؛ فالأمواج العالية قد تدفع الزيت فوقها أو تحتها. لكنها فعالة في المواقع الهادئة والمداخل الحساسة، بينما يجب اعتراض أكبر كمية ممكنة من النفط في البحر قبل وصولها إلى الساحل.
وفي رأس الجنز تحديدًا ينبغي إعداد خريطة للأعشاش النشطة وتشكيل فرق مشتركة من خبراء مكافحة التلوث وخبراء السلاحف. وإذا وصل الزيت إلى الرمال، يجب تجنب الجرافات والآليات الثقيلة والحفر العشوائي، لأن تنظيف الشاطئ بطريقة خاطئة قد يدمر الأعشاش التي نحاول حمايتها.
كما ينبغي تجهيز مركز طوارئ لإنقاذ وتأهيل السلاحف والطيور الملوثة بالنفط. أما نقل البيوض فيجب أن يبقى خيارًا أخيرًا يقرره المختصون، لا إجراءً وقائيًا عامًا، لأنَّ تحريك البيض نفسه قد يضر بالأجنة.
لقد دفعت الحلانيات ورأس مدركة ثمن اتساع التلوث، ولا ينبغي أن ننتظر تكرار المشهد في رأس الجنز.
ربما تنقذ تيارات رأس الحد شواطئ المحمية وتسحب معظم التلوث إلى عرض البحر، وربما لا يصل إليها النفط أصلًا. لكن حماية موقع تستقبل شواطئه عشرات الآلاف من السلاحف لا يجوز أن تقوم على الاحتمال والأمل.
فإذا استعددنا ولم يصل النفط، لن نخسر سوى تكلفة الاستعداد؛ أما إذا وصل ولم نكن مستعدين، فقد نجد النفط بين آلاف الأعشاش في قلب موسم التعشيش والتفقيس.
إنقاذ رأس الجنز يبدأ الآن، قبل أن تصل أول بقعة سوداء إلى رماله.
