الطرق بين النمو والاستدامة

 

 

 

 

عباس المسكري

 

تمثل الطرق إحدى الركائز الأساسية للحركة الاقتصادية، إذ ترتبط كفاءتها واستدامتها بصورة مباشرة بقدرة الأنشطة التجارية والخدمية على النمو والاستمرار، ومع ما تشهده السلطنة من تطور في مختلف مجالات النشاط الاقتصادي، تبرز أهمية النظر إلى هذه الركيزة بمنظور مستقبلي يوازن بين متطلبات النمو والمحافظة على كفاءة البنية الأساسية، بما يضمن استمرار دورها في خدمة الاقتصاد والمجتمع.

وخلال عدد من اللقاءات والأحاديث مع أصدقاء وزملاء، لفت انتباهي تكرار الحديث عن حالة بعض الطرق والمناطق المحيطة بالموانئ والمناطق ذات النشاط اللوجستي الكثيف، وما تشهده من حركة متزايدة للشاحنات والمركبات الثقيلة، وقد بدأ واضحًا أن هذه الملاحظات لا ترتبط بحالة عابرة أو بموقع محدد، وإنما تعكس جانبًا من التحديات التي قد ترافق النمو المتسارع في حركة النقل، وما يترتب عليه من حاجة مستمرة إلى المحافظة على كفاءة الطرق ورفع جاهزيتها لمواكبة هذا النمو.

ولا شك أن هذا النشاط المتنامي يُعد مؤشرًا إيجابيًا على نمو الحركة التجارية واللوجستية، وما يصاحبها من أثر اقتصادي مهم، وفي المقابل، فإن هذا النمو يضع بطبيعة الحال ضغطًا متزايدًا على الطرق والبنية الأساسية المحيطة بهذه المناطق، وهو تحدٍّ يستحق النظر إليه من زاوية الاستدامة والمحافظة على جودة البنية الأساسية على المدى الطويل؛ فزيادة أعداد الشاحنات وحجم حمولاتها وتكرار استخدامها للطرق، ولا سيما في المناطق المرتبطة بالموانئ ومراكز التجميع والتوزيع، تعني زيادة مستوى الاستخدام الواقع على هذه الطرق، وما يترتب على ذلك من احتياجات مستمرة للصيانة والتأهيل والتطوير، بما يضمن بقاءها قادرة على استيعاب الحركة المتنامية والمحافظة على مستوى الخدمة المطلوب.

ومن باب الاطلاع، وبعد النقاش مع عدد من المهتمين والمطلعين على قطاع النقل، وجدت أن عددًا من الدول تتعامل مع تحديات مشابهة من خلال آليات مختلفة تسهم في تمويل صيانة الطرق وتطويرها، ومن بينها استيفاء رسوم معينة على بعض الشاحنات أو حركة النقل العابرة، وفق أنظمة وضوابط تختلف من دولة إلى أخرى، وتستند هذه الآليات في بعض التجارب إلى مبدأ ربط جانب من تكاليف استخدام الطريق بحجم الاستفادة منه، بما يساعد على توفير موارد إضافية للمحافظة على شبكة الطرق وتطويرها، مع وضع ضوابط تراعي طبيعة النشاط الاقتصادي وقدرته على المنافسة.

ومن هنا، قد يكون من المفيد دراسة مدى ملاءمة بعض هذه التجارب لواقعنا المحلي، بما يحقق التوازن بين دعم تنافسية قطاع النقل من جهة، والمحافظة على الطرق والبنية الأساسية واستدامتها من جهة أخرى، ولا يعني ذلك بالضرورة نقل أي تجربة بصورة مباشرة، وإنما الاستفادة من المبادئ والآليات التي أثبتت جدواها في التعامل مع زيادة الضغط على شبكات الطرق، ودراسة إمكانية تكييفها بما يتناسب مع طبيعة الاقتصاد العُماني وحجم الحركة التجارية، وبما يراعي مصالح مختلف الأطراف المستفيدة من هذه الشبكة.

وقد يكون من بين الخيارات التي تستحق الدراسة النظر في آلية مناسبة لمساهمة الشاحنات الأجنبية المستفيدة من شبكة الطرق المحلية في جزء من تكاليف صيانتها وتطويرها، مع الأخذ في الاعتبار أهمية عدم إضافة أعباء غير ضرورية على قطاع النقل الوطني، الذي يؤدي دورًا أساسيًا في دعم حركة التجارة والاقتصاد، ويمكن أن تقوم مثل هذه الآلية، في حال ثبوت ملاءمتها، على أسس واضحة وعادلة تراعي حجم الاستفادة من شبكة الطرق وطبيعة الاستخدام، وتضمن في الوقت ذاته أن تكون أي مساهمة مقترحة متناسبة مع الهدف منها، وأن تُوجَّه عوائدها إلى دعم صيانة الطرق وتطويرها ورفع كفاءتها.

وبناءً على ما سبق، فإن المقصود بهذا الطرح هو دراسة إمكانية استيفاء رسوم مناسبة من الشاحنات الأجنبية القادمة إلى السلطنة والمغادرة عبر المنافذ الحدودية وهي محملة بالبضائع، باعتبارها مستفيدة من شبكة الطرق المحلية في نقل حمولاتها، مع إمكانية إعفائها من الرسوم في حال القدوم فارغة أو الخروج، وفق ضوابط واضحة ومحددة، كما يُقترح إعفاء الشاحنات المسجلة محليًا من أي رسوم من هذا النوع، لكونها تعمل ضمن المنظومة المحلية وتتحمل الالتزامات والرسوم المقررة عليها، إلى جانب ارتباطها بسجلات تجارية والتزامات أخرى.

وفي النهاية، يبقى الهدف من هذا الطرح هو فتح باب الدراسة والنقاش حول آلية تسهم في المحافظة على طرقنا واستدامتها، بما يواكب النمو المتواصل في حركة النقل والتجارة، وهو طرح يستهدف، في جوهره، تعزيز الشراكة في المحافظة على هذه البنية الحيوية، بما يضمن استمرار قدرتها على مواكبة النمو الاقتصادي وخدمة مختلف القطاعات والمستفيدين منها.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z