الظلم.. آفة تهدم المجتمعات والأسر

 

 

 

زكريا الحسني

 

يُعد الظلم من أقبح الأخلاق وأخطرها فهو سبب في خراب المجتمعات وتفكك الأسر وانتشار العداوة والبغضاء بين الناس وما من أمةٍ شاع فيها الظلم إلا كان ذلك سببًا في ضعفها وزوال أمنها واستقرارها لأن العدل هو أساس قيام المجتمعات فإذا غاب العدل حلّ الظلم وإذا حلّ الظلم فسد الناس وضاعت الحقوق.

والظلم ليس مقتصرًا على ظلم الآخرين؛ بل قد يظلم الإنسان نفسه أيضًا بالمعاصي والتقصير والإعراض عن طاعة الله تعالى ولذلك نهى الإسلام عن جميع أنواع الظلم وجعل العدل خُلقًا عظيمًا تقوم عليه حياة الناس.

وقد جاء في السنة النبوية درس عظيم يبين الموقف الصحيح من الظالم والمظلوم فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا} فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلومًا فكيف أنصره إذا كان ظالمًا؟ قال: {تحجزه -أو تمنعه- من الظلم فإن ذلك نصره}؛ فالإسلام لا يدعو إلى نصرة الظالم على ظلمه وإنما يدعو إلى منعه من الظلم لأن ذلك خير له في دنياه وآخرته.

وفي الحديث القدسي يقول الله سبحانه وتعالى: {يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا}، وإذا كان الله عز وجل وهو رب العالمين قد حرّم الظلم على نفسه فكيف يرضى الإنسان أن يكون من أهل الظلم والتعدي على حقوق الناس.

وللظلم صور كثيرة قد يغفل عنها البعض فمنها البهتان والسب والشتم والقذف وأكل أموال الناس بالباطل والغش والخيانة وخلف الوعود وظلم الموظفين وظلم العمال وظلم الزوجة أو الزوج وظلم الأبناء والتمييز بينهم وكل ذلك داخل في مفهوم الظلم الذي نهى الله عنه.

وفي عصرنا الحاضر ظهرت صورة أخرى من صور الظلم وهي التسرع في نشر الأخبار والشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي فكثير من الناس ينساقون خلف ما يسمى بـ"الترند"؛ فينشرون الاتهامات ويخوضون في أعراض الناس دون تثبت أو دليل.

وقد يكون المنشور كلمة واحدة لكنها تهدم سمعة إنسان أو تؤذيه ظلمًا ولهذا كان الواجب على المسلم أن يتثبت قبل أن يتكلم أو يكتب وأن يعلم أن كل كلمة سيحاسب عليها أمام الله تعالى.

ولهذا قال الإمام الشافعي:

رأيتُ سكوتي متجرًا فلزمته

إذا لم أجد ربحًا فلستُ بخاسرِ

وما الصمتُ إلا في الرجال متاجرٌ

وتاجره يعلو على كل تاجرِ

فالصمت عند الشك سلامة والكلمة مسؤولية وقد تكون سببًا في سعادة إنسان أو سببًا في هلاكه.

ومن أبشع صور الظلم أيضًا الظلم في الميراث حيث يُحرم بعض الورثة من حقوقهم الشرعية أو تُؤخر القسمة بغير حق أو يُفضل بعض الأبناء على بعض وهذا الظلم لا يقف أثره عند الجيل الأول؛ بل يمتد إلى الأبناء والأحفاد فتتوارث الأجيال الخصومات والقطيعة بسبب مالٍ زائل.

وكذلك من الظلم التفريق بين الأبناء في المعاملة أو العطاء بغير مسوغ شرعي فإن العدل بينهم سبب للمودة والألفة أما التمييز فإنه يزرع الحقد والكراهية في القلوب وكل من جعله الله مسؤولًا عن أسرة أو عمل أو ولاية فعليه أن يتقي الله فيما استرعاه وأن يؤدي الأمانة بالعدل والإنصاف.

وقد أحسن الشاعر حين قال:

فلا تظلمن إذا ما كنت مقتدرًا

فالظلم مرتعه يفضي إلى الندمِ

تنام عينُك والمظلوم منتبهٌ

يدعو عليك وعينُ الله لم تنمِ

فدعوة المظلوم ليست أمرًا يُستهان به، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس بينها وبين الله حجاب وفي الحديث القدسي يقول الله سبحانه وتعالى: {وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين}وقد يتأخر النصر لحكمة يعلمها الله لكنه لا يضيع أبدًا لأن الله هو الحكم العدل الذي لا يظلم أحدًا.

ويقول الإمام الشافعي:

أتهزأ بالدعاء وتزدريه

وما تدري بما صنع الدعاءُ

سهامُ الليل لا تخطي ولكن

لها أمد وللأمد انقضاءُ

وفي الختام.. فإن الظلم ليس قوة؛ بل هو ضعف في الدين والأخلاق وليس نصرًا؛ بل طريق إلى الخسارة والندم؛ فليحذر كل مسلم من ظلم الناس في أموالهم أو أعراضهم أو حقوقهم أو مشاعرهم وليجعل العدل منهجًا في حياته وليتذكر دائمًا أن الدنيا زائلة وأن الحقوق ستؤدى يوم القيامة وأن الله سبحانه وتعالى لا يظلم مثقال ذرة وسيقتص للمظلوم من ظالمه ولو بعد حين فطوبى لمن لقي الله وقلبه سليم ولسانه محفوظ ويده كفّت عن ظلم عباد الله.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z