د. سالم بن حسن الشنفري
في عالم تتسارع فيه الأزمات، وتتبدل فيه موازين الاقتصاد، لم يعد ملف الأمن الغذائي مقتصرًا على المزارعين وحدهم، بل أصبح معيارًا من معايير قوة الدول، وقدرة مجتمعاتها على مواجهة الصدمات؛ فأزمات مثل جائحة كورونا، واضطراب سلاسل التوريد، وارتفاع أسعار الغذاء، والتغيرات المناخية الحادة، والتوترات الجيوسياسية، أكدت حقيقة لا تقبل الجدل، وهي أن المجتمعات التي لا تنتج جزءًا مهمًّا من غذائها تظل رهينة لتقلبات الأسواق العالمية والتبعية الاقتصادية، مهما بلغت قوتها الاقتصادية. وهذه الحقيقة هي ما يختصره مفهوم «السيادة الغذائية» Food Sovereignty في أدبيات الفكر الاقتصادي والسياسي المعاصر.
وانطلاقًا من هذا المفهوم، أولت سلطنة عُمان، في إطار رؤية عُمان 2040، اهتمامًا متزايدًا بالقطاع الزراعي باعتباره أحد روافد التنويع الاقتصادي والاستدامة، وفي مقدمة الفرص الواعدة تبرز مزارع النجد بمحافظة ظفار، التي تمتلك مقومات تؤهلها للإسهام بفاعلية في زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات.
وتبرز أهمية منطقة النجد بصورة خاصة في زراعة القمح، إذ بلغت مساحته المزروعة خلال موسم 2024/2025 نحو 6400 فدان، موزعة على 52 مزرعة، فيما بلغ إنتاجها نحو 6 آلاف طن. وعلى مستوى محافظة ظفار، بلغ الإنتاج الفعلي من القمح خلال الموسم نفسه 7723 طنًّا، بما يمثل نحو 76% من إجمالي إنتاج السلطنة البالغ حوالي 10.1 آلاف طن. وهذه المؤشرات تعكس الجهد الكبير الذي بذله المزارعون في استصلاح الأراضي وزيادة الإنتاج.
ورغم هذا النجاح الملحوظ، فإنَّ مزارع النجد لا تزال تعمل في ظروف تقلل من قدرتها على تحقيق إمكاناتها الكاملة؛ فالمزارعون الذين استثمروا سنوات طويلة في استصلاح الأراضي، وحفر الآبار على أعماق كبيرة، وإنشاء شبكات ري حديثة، وتحملوا مخاطر مالية وتشغيلية كبيرة في بيئة صحراوية قاسية، يواجهون تحديات لا ترتبط بقدرتهم على الإنتاج، بل باستدامته وجدواه الاقتصادية. ومن أبرز هذه التحديات: غياب منظومة تسويق متكاملة، مما يؤدي في بعض المواسم إلى انخفاض حاد في الأسعار أو تلف جزء كبير من المحاصيل بسبب عدم وجود قنوات توزيع وتخزين فعالة، وارتفاع تكاليف الكهرباء اللازمة لتشغيل الآبار، والحاجة الماسة إلى تطوير خدمات الإرشاد الزراعي، وتوفير برامج أكثر فعالية لمكافحة الآفات والأمراض التي تهدد المحاصيل في أي وقت.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال وجهة نظر الحكومة، التي تتحمل مسؤولية تنظيم استغلال الأراضي العامة، وضمان استخدامها بكفاءة، والحفاظ على المال العام، ومنع تعطيل الأراضي أو استغلالها في غير الأغراض المخصصة لها. فوفقًا للبيانات الرسمية، تجاوزت استثمارات السلطنة داخليًّا في القطاع الزراعي خلال الخطة الخمسية العاشرة 806 ملايين ريال عُماني، وهو رقم يعكس قناعة راسخة لدى صنّاع القرار بأن الزراعة لم تعد نشاطًا هامشيًّا، بل تمثل أحد محركات التنمية الاقتصادية المستدامة، وأن العائد على هذه الاستثمارات لا يُقاس بالأرباح المباشرة فحسب، بل بتحقيق الأمن الغذائي، وتوفير فرص العمل، وتنشيط الصناعات ذات الارتباط.
غير أن المزارعين ينظرون إلى هذه الخطوة من زاوية مختلفة تمامًا؛ إذ يرون أن النشاط الزراعي في منطقة النجد لا يزال في مرحلة تحتاج إلى التحفيز والتمكين، أكثر من تحميله أعباء مالية جديدة، وأن فرض الرسوم قبل استكمال جميع مقومات الاستثمار الناجح، من بنية أساسية، ودعم تسويقي، وطاقة مخفضة، قد يحد من التوسع الزراعي، ويؤثر سلبًا في الجدوى الاقتصادية للمشروعات الزراعية القائمة، بل قد يدفع بعض المزارعين إلى التخلي عن أراضيهم بعد سنوات من الجهد والاستثمار.
وهنا يبرز التساؤل المحوري: هل السياسة المالية هي الأداة المناسبة في هذه المرحلة، أم أن الأولوية يجب أن تكون للتمكين والإنتاج أولًا؟ وفي تقديري المتواضع، إن جوهر القضية لا يكمن في فكرة الرسوم ذاتها، بل في توقيت السياسة وآليات تطبيقها؛ فالسياسات العامة الجيدة هي التي تُقاس بنتائجها الفعلية على الأرض، وليس فقط بسلامة نواياها وأهدافها. فإذا كان الهدف الوطني الأسمى هو تعظيم الاستفادة من الأراضي الزراعية، وتعزيز الأمن الغذائي، فإن الطريق الأكثر فعالية إلى ذلك يبدأ بتحويل الأرض إلى مشروع منتج ومستدام من خلال توفير جميع المقومات اللازمة، ثم الانتقال تدريجيًّا إلى تنظيم الالتزامات المالية بعد استقرار النشاط وتحقيق عوائده الاقتصادية، وليس قبله.
وهذا هو النهج الذي اتبعته العديد من الدول التي نجحت في تطوير زراعتها في بيئات صحراوية وشبه صحراوية، فقد اعتمدت دول في المنطقة مزيجًا من تطوير البنية الأساسية، والتمويل الزراعي، والتقنيات الحديثة، وإدارة المياه، ودعم سلاسل الإمداد والتسويق. والدرس الأهم ليس نقل تلك التجارب حرفيًّا، وإنما الاستفادة من فلسفتها:
الدولة تهيئ البيئة الممكنة، والمزارع يرفع الإنتاج والكفاءة، والسوق يحول الإنتاج إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
فقد بدأت هذه الدول جميعًا بتوفير البنية الأساسية من طرق ومياه وكهرباء، وتسهيل الحصول على التمويل الزراعي بشروط ميسرة، وخفض تكاليف الطاقة للمزارعين، خاصة في مرحلة التأسيس، وضمان تسويق المنتجات عبر إنشاء شركات تسويق حكومية أو مشتركة، وربط الإنتاج باحتياجات السوق المحلي والإقليمي. وكانت النتيجة النهائية أن تحولت الزراعة من قطاع يعتمد على الدعم الحكومي إلى قطاع منتج يسهم في النمو الاقتصادي، ويعزز الأمن الغذائي، ويوفر مئات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة. ولا يبدو أن مزارع النجد بعيدة عن تحقيق هذا النموذج الناجح، إذا ما توفرت لها البيئة المناسبة والإرادة السياسية والدعم اللازم.
إن مزارعي النجد الذين تحملوا كلفة استصلاح الأرض وتحويلها إلى وحدات إنتاجية يحتاجون إلى قدر من الاستقرار القانوني والاقتصادي الذي يشجعهم على مواصلة الاستثمار، وجني ثمار ما بذلوه من جهد ومال خلال سنوات طويلة في استصلاح الأراضي، وتحويلها إلى مزارع منتجة. ولذلك، فإن المرحلة الحالية تستدعي وبقوة الانتقال من إدارة ملف مزارع النجد بمنطق الإجراءات الإدارية البحتة، إلى معالجته بمنطق الشراكة التنموية الحقيقية التي ترتبط فيها الحوافز بالإنتاج والكفاءة والاستدامة. فالمزارع ليس طرفًا في مواجهة الدولة، كما أن الدولة ليست خصمًا للمزارعين، بل إن الطرفين يشتركان في هدف واحد، وهو تعظيم الإنتاج الوطني وتحقيق الأمن الغذائي.
ولترجمة هذه الشراكة إلى واقع، يمكن البناء على خمس خطوات عملية:
أولًا: اعتماد صيغة تنظيمية مستقرة لتنظيم الأراضي الزراعية تجمع بين مصلحة الدولة في الحفاظ على ملكية الأراضي العامة، وتوفير اليقين الاستثماري للمزارعين من خلال عقود انتفاع طويلة الأجل برسوم انتفاع تدريجية تراعي مراحل المشروع، تبدأ بـ5 ريالات عُمانية للفدان ولمدة عشر سنوات، أو بتملك مشروط وفق ضوابط وبرسوم معقولة.
ثانيًا: استحداث تعرفة كهربائية زراعية منخفضة، بالتوازي مع دعم التحول إلى الطاقة الشمسية.
ثالثًا: إقامة منظومة متكاملة لتجميع المنتجات الزراعية وفرزها وتخزينها وتسويقها وتصنيعها وتصديرها، بما يقلل الفاقد ويحمي المنتج من تقلبات الأسعار.
رابعًا: استكمال الطرق والخدمات الزراعية، وتعزيز الإرشاد الزراعي، ومكافحة الآفات، وفحص التربة والمياه.
خامسًا: إعداد خطة وطنية طموحة ومرنة للإنتاج الزراعي، تربط أنواع وكميات المحاصيل المزروعة باحتياجات السوق الفعلية ومستهدفات الأمن الغذائي، مما يمنع فائض الإنتاج غير المرغوب، ويعزز الكفاءة الاقتصادية للمشروعات الزراعية.
وحين تلتقي إرادة الحكومة الرشيدة مع خبرة المزارع العُماني المخلص، تتحول الأرض الصحراوية إلى ثروة حقيقية، وتتحول الزراعة من مجرد نشاط معيشي إلى استثمار استراتيجي، ويتحول الأمن الغذائي من هدف مأمول إلى واقع يعيشه الجميع، يرسخ سيادة الوطن وقوته قبل أن يملأ أسواقه بالغذاء.
وختامًا.. إنَّ مستقبل مزارع النجد لا ينبغي أن يُقاس بحجم الرسوم التي يمكن تحصيلها اليوم، بل بحجم القيمة الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن تضيفها للوطن غدًا؛ فحين تتحول هذه المنطقة الخصبة إلى نموذج ناجح وملهم للإنتاج الزراعي المستدام في البيئات الصحراوية، فإنَّ المستفيد الأكبر لن يكون المزارع وحده، بل الاقتصاد الوطني بأكمله، والمستهلك العُماني الذي سيحصل على غذاء بأسعار معقولة، والأجيال القادمة التي ستورث أرضًا أكثر خصبًا واقتصادًا أكثر تنوعًا.
