د. حامد بن عبدالله البلوشي **
الأيام في حياة الأمم أيام لا تُقاس بما يمر فيها من ساعات ودقائق، بل بما توقظه في الضمائر من قيم ومبادئ، وما تغرسه في النفوس من وعي وإدراك، وما تبعثه في المجتمعات من أمل واستبشار. ومن هذه الأيام الثالث عشر من أغسطس؛ اليوم العالمي للتبرع بالأعضاء، الذي اختاره العالم ليكون نافذة إنسانية تذكِّر بأن أعظم ما يُمكن أن يقدمه الإنسان لأخيه الإنسان ليس المال ولا الجاه، وإنما الحياة نفسها.
ولم يعد تخصيص يوم عالمي لهذه القضية مجرد احتفاء صحي، أو مناسبة اجتماعية؛ بل أصبح رسالة حضارية تهدف إلى نشر الوعي بأهمية التبرع بالأعضاء والأنسجة، وتشجيع الأفراد على اتخاذ قرارات واعية ومسؤولة بشأن التبرع، وتقدير المتبرعين وأسرهم الذين صنعوا من الألم أملا، ومن الفقد حياة جديدة لغيرهم، إلى جانب إبراز الجهود العظيمة التي تبذلها الفرق الطبية والمؤسسات الصحية، وتصحيح كثير من المفاهيم غير الدقيقة التي ما تزال تحيط بهذا الموضوع الإنساني النبيل.
وإذا كان الطب يقدم من خلال ما وصل إليه من تقدم وتطور الوسيلة والطريقة السليمة لنقل الأعضاء؛ فإنَّ القيم والأخلاق هي التي تمنحها روحها. فالتبرع بالأعضاء ليس مجرد إجراء طبي، وإنما هو صورة سامية من صور الرحمة والإيثار، ورسالة تقول إن الإنسان قد يرحل، لكن أثر عطائه يبقى نابضا في أجساد الآخرين. وكم من مريض كان ينتظر قلبا ينبض، أو كُلْيَة تعيد إليه حياته الطبيعية، أو كَبِدا يفتح له بابا جديدا من الأمل، أو رئة تعطيه نَفَسا جديدا، أو قَرَنِيَّة تعيد له الإبصار، فكان التبرع سبباً في عودة الحياة إليه بعد أن ضاقت به السبل.
ومن المنظور الإسلامي، فإنَّ حفظ النفس يعد من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. ولذلك أجازت الجهات والهيئات الشرعية المختصة التبرع بالأعضاء وفق الضوابط المعتبرة، وعدته من أعمال البر والإحسان والصدقات الجارية؛ لما يحققه من إنقاذ للأنفس، وتخفيف لمعاناة المرضى، ويرسخ قيم التكافل والتراحم والتضامن والمسؤولية المجتمعية.
ومع أهمية هذه الرسالة الإنسانية، لا تزال هناك العديد من التحديات التي تحد من انتشار ثقافة التبرع بالأعضاء، من أبرزها محدودية الوعي بالإجراءات والضوابط النظامية، وانتشار بعض المعلومات غير الدقيقة، ووجود مخاوف غير مبررة لدى بعض أفراد المجتمع، والحاجة إلى مزيد من التثقيف حول التبرع من الأحياء وبعد الوفاة وفق الأنظمة المعتمدة. واجتياز هذه التحديات يبدأ بالعلم الصحيح، والمعلومة الدقيقة، وينتهي ببناء الثقة المجتمعية.
ومن هنا تتعاظم مسؤولية الأسرة، فهي المدرسة الأولى التي تُغرس فيها قيم الإيثار والعطاء، والحوار الأسري الهادئ حول الرغبة في التبرع؛ يسهم في إزالة كثير من الالتباس، وييسر اتخاذ القرار عند الحاجة. كما لا يمكن إغفال المكانة التربوية والتوعوية للمسجد وسائر دور العبادة من خلال ترسيخ مقاصد الشريعة في حفظ النفس، وبيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالتبرع بالأعضاء وفق الضوابط المعتمدة، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وتعزيز قيم الرحمة والتكافل والإحسان، كما ينهض الإعلام بدور محوري في تقديم المعلومات الموثوقة، وتصحيح الأفكار الخاطئة، وعرض النماذج الإنسانية الملهمة، في حين تسهم المدارس والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني في تنظيم المحاضرات والبرامج التوجيهية، وغرس ثقافة المسؤولية المجتمعية في نفوس الشباب.
وقد أولت السلطنة هذا المجال اهتماما متناميا، انطلاقا من حرصها على تعزيز جودة الرعاية الصحية، وحفظ حياة الإنسان. ويعمل البرنامج الوطني لزراعة الأعضاء والأنسجة البشرية على وضع إستراتيجية متكاملة، وتطوير السياسات المنظمة، وتأهيل الكوادر الطبية، وتوفير الإمكانات الفنية، وتسهيل إجراءات التبرع، ورفع وعي المجتمع بأهمية التبرع بالأعضاء. كما أتاحت وزارة الصحة تسجيل الرغبة في التبرع بالأعضاء عبر تطبيق "شفاء"، ودعت إلى تثقيف النفس، ومناقشة الرغبة في التبرع مع الأسرة، بما يعزز المشاركة المجتمعية في هذا العمل الإنساني.
ولعل من أجمل ثمار هذه الجهود الوطنية أن تتحول حملات التوعية إلى مواقف عملية يتبناها أفراد المجتمع، فالمبادرات المؤسسية لا تحقق أهدافها إلا عندما تجد استجابة صادقة من المواطنين. وانطلاقًا من هذا المفهوم، وتشجيعًا للجهود المباركة التي تبذلها وزارة الصحة عبر برنامج "شفاء" لنشر الوعي بالتبرع بالأعضاء، فقد أكرمني الله أن أكون من بين المواطنين الذين استجابوا لهذه المبادرة الوطنية، فسجلتُ رغبتي في التبرع بأعضائي بعد الوفاة من خلال برنامج "شفاء"، كما سجل أكبر أبنائي- وهو طبيب- رغبته كذلك. وما أذكر ذلك إلا تأكيدا على أن نجاح المبادرات الوطنية لا يكتمل إلا بتفاعل أفراد المجتمع معها، وأن المسؤولية المجتمعية تبدأ بخطوة صادقة من كل مواطن، مهما بدت صغيرة، فقد تكون سببًا في إنقاذ حياة إنسان بإذن الله.
وتحرص المنظومة الصحية في السلطنة كذلك على توفير إطار قانوني وأخلاقي يحفظ حقوق المتبرعين والمتلقين، ويمنع جميع أشكال الاتجار بالأعضاء، مؤكدا أن زراعة الأعضاء داخل السلطنة تتم وفق أعلى المعايير الطبية والقانونية، وأن الاتجار بالأعضاء يمثل جريمة تتنافى مع القيم الإنسانية والأخلاق الطبية.
وتنسجم هذه الجهود مع رؤية عُمان 2040 التي جعلت الإنسان محور التنمية وغايتها، وركزت على الارتقاء بجودة الحياة، وتعزيز كفاءة القطاع الصحي، وترسيخ الشراكة المجتمعية في تحقيق التنمية المستدامة. فصحة الإنسان ليست مسؤولية المؤسسات الصحية وحدها، بل هي مسؤولية وطنية يتشارك فيها الجميع.
إنَّ المجتمع العُماني، بما عرف عنه من أصالة وتكافل وتراحم، يمتلك رصيدا أخلاقيا كبيرا يؤهله لأن يكون نموذجا في ترسيخ ثقافة التبرع بالأعضاء. فالإيثار، والرحمة، والتضامن، وتحمل المسؤولية تجاه الآخرين ليست قيما مستوردة، وإنما هي جزء أصيل من هوية هذا المجتمع، الذي ظل عبر تاريخه يقدم صورا مشرقة في التعاون والعطاء.
وفي الختام.. تظل الرسالة الأهم في تلك المناسبة العالمية أن التبرع بالأعضاء ليس قرارا طبيا فحسب، بل هو موقف إنساني يعبر عن أسمى معاني الحياة. إنه عهد يقطعه الإنسان على نفسه بأن يكون سببا في استمرار نبض قلب، أو عودة بصر، أو شفاء مريض، حتى بعد أن تنتهي رحلته في هذه الدنيا. وما أجمل أن يترك الإنسان وراءه أثرا يحيي النفوس، ويزرع الأمل. ويجسد قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾؛ فالحياة هبة من الله، وأعظم صور شكر تلك النعمة أن يكون الإنسان سببا في استمرارها.
** مدير عام شبكة الباحثين العرب في مجال المسؤولية المجتمعية
