ريم الحامدية
هناك أشياء نفعلها كل يوم، ولو سألنا أنفسنا: لماذا؟ لن نجد جوابًا. نضع المفاتيح في المكان نفسه، ونترك المقعد المحدد لشخص بعينه، ونقدم القهوة بطريقة لم نجلس يومًا لنتفق عليها، ونقول كلمات معينة في مواقف محددة، وكأنَّ في البيت قوانين قديمة لا أحد يتذكر من كتبها.
ولو سألت أمك: ليش نسوي كذا؟ قد تضحك وتقول: ما أعرف كذا تعودنا.
وهذه الجملة وحدها تختصر حكاية طويلة، كم شيء في حياتنا بدأ بهذه الجملة؟
كم عادة دخلت بيوتنا قبل أن ندخل نحن إليها، حتى صارت تبدو لنا جزءًا طبيعيًا من الحياة؟
نحن نحب أن نختار تفاصيلنا بأنفسنا؛ نختار كيف نجلس، كيف نستقبل ضيفًا، أين نضع الأشياء، وكيف تبدأ مناسباتنا وتنتهي لكن الحقيقة أن جزءا كبيرا من هذه التفاصيل لم نختره أصلًا، لقد وجدناه أمامنا.
رأيناه في طفولتنا، وكررناه دون سؤال، ثم حملناه معنا إلى سنواتنا الجديدة؛ فالبيت لا يورث أبناءه الأسماء والملامح فقط؛ بل يورثهم أشياء أصغر من أن تُكتب في وصية، وأكبر من أن تختفي بسهولة: طريقة أمي في ترتيب السفرة، نبرة أبي حين ينادي أحدًا، الطريقة التي نطرق بها الباب، والكلمة التي نقولها للضيف قبل أن يغادر.
أشياء كثيرة تبدو بلا معنى، لكنها قد تكون في الحقيقة بقايا حكايات لا نعرف بدايتها، ربما كانت جدتنا تفعلها لسبب ما، اختفى منذ زمن وبقيت العادة وحدها، وهكذا تفعل الأيام بالعائلات؛ يموت السبب، وتعيش العادة. والغريب أن العادة، حين تطول، لا تبقى مجرد تصرف نكرره تصبح جزءًا من الإحساس بالبيت نفسه.
ففي عالم يتغير فيه كل شيء بسرعة مُخيفة، تمنحنا بعض هذه التفاصيل الصغيرة شعورًا بأنَّ هناك شيئًا ما لا يزال في مكانه، نتغير نحن، تكبر أعمارنا، ننتقل إلى مدن وأماكن جديدة، وتتبدل الأشياء من حولنا، لكننا حين نكرر حركة مألوفة، أو نقول جملة سمعناها مئات المرات، يحدث شيء لا نخطط له نعود، ولو للحظة، إلى المكان الذي بدأنا منه.
ربما لهذا السبب نكتشف أحيانًا أن بعض ما نظنه جزءًا من شخصياتنا لم يبدأ معنا أصلًا مثل كلمة خرجت من أفواهنا كما كانت تخرج من أفواه من سبقونا، طريقة استقبال الناس لم نتعلمها من كتاب، وإنما رأيناها تتكرر أمامنا حتى حفظناها دون أن نحفظ اسمها.
وهنا تصبح العادة أكثر من مجرد عادة؛ تصبح أثرًا حيًا لأشخاص وأزمنة مرّت من هنا.
وقد لا نعرف من بدأها، ولا متى بدأت، ولا حتى لماذا استمرت، لكننا نعرف أنها تخصنا.
نجدها في تفاصيل بيوتنا، في طريقة اجتماعنا، في الأشياء التي نفعلها دون اتفاق، وفي تلك القواعد الصغيرة التي يعرفها أفراد العائلة جميعًا، بينما لا يعرف أحد متى وُضعت.
ثم يأتي جيل جديد، ويسأل طفل بعد سنوات ليش نسوي كذا؟ فنجيبه، كما أُجبنا من قبل: ما أعرف كذا تعودنا، دون أن ندرك أننا لم نكن نجيب عن سؤالٍ عابر، كُنَّا نسلّم له شيئًا عاش أطول منا، وربما في تلك اللحظة فقط، نفهم أن بعض ما ورثناه لم يكن شيئًا نملكه؛ بل كان شيئًا مرّ بنا، لكي نمرره. فربما نحن- من حيث لا ندري- لسنا أصحاب هذه العادات بقدر ما نحن محطّات في طريقها الطويل.
شيءٌ بدأ ذات يوم من يدٍ لا نعرفها، وصل إلى يدٍ نعرفها، ثم استقر في أيدينا نحن، وسيغادرها يومًا إلى أيدٍ لم تولد بعد، وقد نضيف إليه شيئًا منّا دون أن نشعر، أن نُغيِّر كلمة، أن نُبدِّل طريقة، أن نبتكر طقسًا صغيرًا، ثم نتركه خلفنا كما ترك الذين قبلنا أشياءهم.
نحن لا نعيش في بيوتنا وحدنا، تعيش معنا أشياء كثيرة لم نرَ بدايتها، وربما لن نرى نهايتها.
وكلما كررنا واحدة منها، دون أن نسأل، كنَّا نفتح بابًا صغيرًا بين زمنين زمنٍ كان فيه شخصٌ ما يفعلها للمرة الأولى، وزمن سنكون فيه نحن، يوما ما، ذلك الشخص الذي لم يره أحد، لكنه ترك وراءه شيئًا يستمر.
ولهذا، ربما حين نسأل: من أين جاءت هذه العادة؟ لن يكون السؤال عن العادة وحدها؛ بل عنَّا نحن من مَرَّ من هنا، وترك شيئًا منه فينا، دون أن نعرف!
