خالد بن أحمد العامري
حين تصبح المطالبة بهدم مَعلمٍ عمراني أول الحلول المطروحة أمام مشكلة الاختناقات المرورية في مدينة صلالة، فإن المشكلة لا تعود في الطريق وحده، بل في طريقة التفكير في معالجة المشكلة. ومن المؤسف أن يُختزل ملف الاختناقات المرورية في صلالة في دوار برج النهضة، وفي سؤال واحد: هل نهدم البرج أم نُبقي عليه؟
وكأنَّ هذا البرج هو السبب الرئيس والوحيد في الاختناقات المرورية التي تعاني منها مدينة صلالة، وأن إزالته ستضع حدًا لمشكلة تتكرر كل عام، خصوصًا خلال موسم الخريف. واللافت أن هذا الطرح يصدر أحيانًا ممن يُفترض أن يكونوا أكثر إدراكًا لتعقيدات التخطيط الحضري، وهو ما يجعل السؤال أكثر إلحاحًا: هل أصبحت الحلول العمرانية لدينا تبدأ من الهدم، بدل أن تبدأ من البحث عن البدائل؟
لا أحد ينكر أن صلالة تحتاج إلى حلول مرورية عاجلة ومستدامة. فالمدينة شهدت خلال السنوات الماضية نموًا عمرانيًا وسكانيًا وسياحيًا كبيرًا، وأصبحت بعض طرقها وتقاطعاتها عاجزة عن استيعاب حركة المركبات، خصوصًا خلال موسم الخريف.
لكن هل برج النهضة هو المشكلة؟ بالتأكيد لا؛ فالبرج لا يصنع الازدحام، والدوار ليس سوى نقطة تتجمع عندها حركة مرورية تتأثر أساسًا بطريقة توزيع الطرق والأحياء داخل المدينة.
مشكلة الاختناقات المروية في صلالة أكبر بكثير من برج أو دوار، وهي مرتبطة في جانب أساسي منها بالتخطيط العمراني وتوزيع الحركة المرورية. ولذلك فإن هدم البرج لن يحل المشكلة، كما أن إزالة الدوار لن تكون بالضرورة نهاية للاختناق المروري؛ فقد تنتقل المشكلة ببساطة إلى التقاطع أو الطريق الذي يليه.
وهنا يجب أن يتغير السؤال. وبدل أن نسأل: كيف نتخلص من برج النهضة؟ علينا أن نسأل: كيف نعيد توزيع الحركة المرورية في مدينة صلالة؟ هذه هي القضية الحقيقية!
المناطق والأحياء الواقعة جنوب شارع الرباط وشمال شارع السلطان قابوس، الممتدة من الدهاريز شرقًا إلى عوقد غربًا، تحتاج إلى قراءة مرورية وعمرانية شاملة، لا إلى حلول مُجتزَأة؛ فالحركة داخل هذه المناطق والأحياء أصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على عدد محدود من الطرق، الأمر الذي يؤدي إلى تشكّل بؤر اختناق مروري، وتتضاعف المشكلة خلال موسم الخريف مع الزيادة الكبيرة في أعداد الزوار والمركبات.
وإذا أردنا حلًا مستدامًا، فعلينا إعادة توزيع الحركة بين الأحياء والمناطق، وفتح وصلات جديدة، وتطوير الطرق القائمة، وتحسين التقاطعات، وإيجاد طرق بديلة، ودراسة الجسور والأنفاق حيثما تكون مجدية، إلى جانب إعادة تنظيم مداخل ومخارج المناطق.
أما اختزال كل ذلك في برج النهضة، فهو أشبه بعلاج الأعراض وترك المرض.
وقد يقول البعض إن برج النهضة ليس أثرًا تاريخيًا عمره مئات السنين، وإنه مجرد برج شُيّد من الطابوق والإسمنت. لكن قيمة المعالم لا تُقاس دائمًا بعمرها أو بمواد بنائها. فهناك معالم تكتسب قيمتها من حضورها في ذاكرة الناس، ومن ارتباطها بالمكان، ومن المرحلة التاريخية التي تمثلها، وبرج النهضة واحد من هذه المعالم؛ فالبرج يؤطر لنهضة عُمان المباركة، ويرمز إلى مسيرة التنمية والنهضة الحديثة في سلطنة عُمان، يستمد تصميمه من مفردات العمارة التقليدية في ظفار، وأصبح جزءًا من الذاكرة البصرية لصلالة.
واليوم، عندما تُذكر صلالة أو تظهر صورها في المنشورات والمواد الإعلامية والسياحية، يحضر برج النهضة باعتباره إحدى العلامات البصرية التي يتعرف من خلالها الناس على ظفار بصفة عامة وصلالة بصفة خاصة. ويمكن النظر إليه، إلى جانب برج الصحوة في مسقط، بوصفهما من المعالم التي ارتبطت بصريًا بمرحلة النهضة العُمانية، وإن اختلف موقع كل منهما ووظيفته في المشهد الحضري.
وهذه قيمة لا ينبغي تجاهلها.
قد يختلف البعض حول أهمية البرج، وهذا حقهم، لكن الاختلاف في تقدير قيمته لا يعني أن نتعامل معه كعائق إسمنتي يمكن التخلص منه متى تعارض مع مشروع طريق.
نحن بحاجة إلى طرق أكثر كفاءة، وتقاطعات أكثر انسيابية، وحلول تستوعب النمو المستقبلي لصلالة، ولا سيما النمو السياحي خلال موسم الخريف. لكن التطوير الحقيقي لا يعني بالضرورة إزالة كل ما يقف في طريق المشروع؛ بل إن التحدي الحقيقي أمام المخطط والمهندس يتمثل في إيجاد حل يجمع بين الاثنين: انسيابية الحركة والحفاظ على هوية المكان.
وهنا تبرز تساؤلات مهمة أمام المختصين في التخطيط العمراني بمحافظة ظفار: لماذا لا يكون برج النهضة جزءًا من الحل بدل أن يكون ضحية له؟ لماذا لا يُعاد تصميم المنطقة المحيطة به بصورة أكثر جمالية، وتحويلها إلى واجهة حضرية تليق بموقعها وأهميتها؟
المطلوب من التخطيط ليس فقط إيجاد مساحة أكبر للطريق، وإنما إيجاد حلول ذكية تتعامل مع الواقع القائم وتحافظ في الوقت نفسه على شخصية المدينة.
صلالة ليست مجرد شبكة طرق ومبانٍ. إنها مدينة لها ذاكرتها وملامحها ورموزها.
وإذا كنا نريد لها أن تتحول إلى مدينة سياحية بمستوى عالمي، فعلينا أن ندرك أن المدن السياحية لا تُبنى بالطرق وحدها، وإنما أيضًا بالهوية والمشهد الحضري والمعالم التي تمنح المكان شخصيته.
ومن هنا، فإن منطقة برج النهضة يمكن أن تكون فرصة لا مشكلة. فرصة لإعادة تطوير أحد أهم المداخل والمواقع البصرية في صلالة، وتحسين الحركة المرورية حوله، وتجميل المنطقة، وربطها بشبكة طرق أكثر كفاءة، بدل أن يكون الحل هو إزالة البرج ثم نكتشف أن الاختناقات المرورية ما زالت قائمة.
القضية اليوم ليست الدفاع عن برج من أجل البرج، وليست رفض التطوير أو الوقوف في وجه المشاريع. القضية أكبر من ذلك بكثير: نريد مدينة حديثة، نعم. نريد طرقًا واسعة وانسيابية مرورية، نعم. نريد حلولًا لمشكلة الاختناقات، نعم. لكننا نريد في الوقت نفسه مدينة لا تفقد ذاكرتها وهويتها.
وإذا كان حل المشكلة المرورية دون إزالة البرج، فلماذا نطالب بهدمه؟ وإذا كان بالإمكان تطوير المنطقة والحفاظ على المعلم، فلماذا نختار الحل الذي يفقد المدينة أحد رموزها؟
التطوير الحقيقي لا يعني أن نهدم ما يقف في طريقنا، بل أن نمتلك القدرة على إيجاد طريق جديد يحافظ على ما يستحق أن يبقى.
وفي النهاية، يجب أن ندرك الحقيقة التي ينبغي أن تكون أساس أي نقاش جاد حول مستقبل صلالة:
الازدحام لا يصنعه برج النهضة… وإنما يصنعه التخطيط الذي لم يوزع الحركة المرورية بالشكل الصحيح.
وإذا كانت المشكلة في التخطيط، فإن الحل يجب أن يبدأ من إعادة التخطيط، لا من هدم الذاكرة؛ فصلالة لا تحتاج إلى أن تهدم رموزها لكي تتطور.. إنها تحتاج إلى عقول تطوّر المدينة دون أن تهدم هويتها.
