خولة خميس البهلاوي
أخصائية نفسية
لم يكن يتوقع أن تنتهي رحلته الصيفية بكسر في يده. شاب اعتاد أن يبدأ يومه برائحة الحديد في صالة الرياضة، ويختتمه بشعور الإنجاز بعد ساعات من التمرين. كان يرى في الرياضة أكثر من مجرد هواية؛ كانت جزءا من هويته، ومتنفسا يفرغ فيه ضغوط الحياة، وطريقا يرسم من خلاله ملامح النسخة التي يريد أن يكونها. لكن حادثا مفاجئا غير كل شيء. في لحظة واحدة وجد نفسه أمام تشخيص طبي واضح كسر في اليد، وتوقف إجباري عن التمارين لعدة أشهر. ربما يظن البعض أن المشكلة جسدية فقط، لكن علم النفس يخبرنا أن الخسائر المفاجئة غالبا ما تبدأ في العقل قبل أن تظهر في الجسد. فالتوقف القسري عن ممارسة ما نحبه قد يثير مشاعر الإحباط والعجز والخوف من فقدان الإنجازات التي استغرق بناؤها سنوات. مرت الأسابيع، وضعفت لياقته، وتغير شكل جسده الذي اعتاد عليه. كانت المرآة تذكره يوميا بما فقده، وكان اليأس يحاول إقناعه بأن العودة ستكون صعبة.
لكن ما لم يدركه ذلك الشاب في حينها أن الإنسان لا تبنى شخصيته في أوقات الراحة، بل في لحظات الانكسار. بعد انتهاء رحلة العلاج، عاد إلى صالة الرياضة بخطوات مترددة، لكنه عاد بعقل مختلف. لم يكن يبحث عن النتائج السريعة، بل عن استعادة ذاته. بدأ من الأوزان الخفيفة، ومن التمارين البسيطة، ومن الإنجازات الصغيرة التي لا يراها أحد. يوما بعد يوم، وأسبوعا بعد أسبوع، بدأ جسده يستجيب من جديد. وبعد أشهر قليلة حقق نتائج فاقت ما كان يتوقعه قبل الإصابة نفسها. لم يكن الإنجاز الحقيقي في حجم العضلات التي بناها، بل في الشخصية التي أعاد تشكيلها خلال رحلة التعافي.
في علم النفس الإيجابي يعرف هذا النوع من الصمود بمفهوم "العزيمة" أو Grit، وهو مزيج من الشغف والمثابرة تجاه الأهداف طويلة المدى. وقد أوضحت أبحاث الدكتورة أنجيلا دكوورث أن الأشخاص الأكثر نجاحا ليسوا بالضرورة الأكثر موهبة، بل الأكثر قدرة على الاستمرار رغم الفشل والتعثر والعقبات. وقد وجدت دراساتها أن العزيمة كانت مؤشرا مهما للتفوق الأكاديمي والمهني والاستمرار في مواجهة التحديات.
كما تشير أبحاث لاحقة إلى أن المثابرة المرتبطة بهدف ذي معنى شخصي تساعد الأفراد على تجاوز فترات الإحباط والمحافظة على الأداء رغم الظروف الصعبة.
ولعل أجمل ما تعلمنا إياه هذه القصة أن الحياة لا تختبر قوتنا عندما تسير الأمور كما نريد، بل عندما تسلب منا شيئا نحبه. هناك من يرى في العثرة نهاية الطريق، وهناك من يراها فرصة لاكتشاف قوة لم يكن يعلم بوجودها داخله.
كم من إنسان أوقفه مرض، أو أخفق في مشروع، أو خسر وظيفة، أو واجه أزمة ظن أنها النهاية، ثم اكتشف لاحقا أنها كانت بداية مرحلة أكثر نضجا وقوة؟ إن الفارق بين الأشخاص لا يكمن دائما في حجم المواهب أو الإمكانات، بل في الطريقة التي يتعاملون بها مع السقوط. فالبعض يتوقف عند أول عقبة، بينما يحولها آخرون إلى نقطة انطلاق. ولهذا، فإن الشخصية القوية لا تصنع من النجاحات المتتالية، بل من القدرة على الوقوف بعد كل سقوط، والإيمان بأن ما انكسر اليوم قد يكون السبب في القوة التي سنمتلكها غدا.
ليست البطولة أن تعبر الطريق دون عثرات، بل أن تحمل شظايا انكسارك بيديك، وتبني منها سلما نحو ما ظننت يوما أنه مستحيل.
