شيخة بنت عمر الخروصية**
لقد علّمتني سنوات العمل التي امتدت لأكثر من ربع قرن، إلى جانب دراستي للماجستير في القيادة التربوية، وتجربتي في التعامل مع مختلف فئات المجتمع، أن القيادة في حقيقتها ليست مكافأة على الماضي، ولا جائزة تُمنح في نهاية الطريق، وليست مكتبًا أكبر أو صوتًا أعلى. فالقيادة مسؤولية تسبق الصلاحيات، وواجبات تسبق الامتيازات. وهي ليست حقًا يُنتزع، ولا منصبًا يُطلب لمجرد المكانة، بل أمانة يُختبر الإنسان في قدرته على حملها، ويظهر أثرها في خدمة الآخرين وتحقيق المصلحة العامة.
وعندما ينظر الإنسان إلى القيادة بوصفها امتيازًا، فقد ينشغل بما سيحصل عليه منها من مكانة ومزايا، فيصبح سؤاله: ماذا سيضيف لي المنصب؟ أما عندما ينظر إليها بوصفها مسؤولية، فإن السؤال يتغير ليصبح: ماذا سأضيف أنا لهذا المنصب، وماذا سأقدم لمن اؤتمنت على خدمتهم؟
في كل مرة يُعلن فيها، داخل المؤسسة أو في نشرات الأخبار المحلية، عن تكليف شخص بمنصب قيادي، يُسارع كثيرون إلى تفسير الأمر من زاوية واحدة فقط. فيرونه نتيجة حتمية لخبرة الشخص وكفاءته المهنية ومؤهلاته العلمية. ولذلك تتكرر الأسئلة، همسًا وجهرًا: لماذا هو؟ ولماذا لست أنا؟ ما الذي يملكه ولا أملكه؟ هل هو أكثر كفاءة مني؟ هل مؤهلاته أعلى من مؤهلاتي؟ أليست لدي خبرة أطول وسنوات خدمة أكثر؟ ألا أمتلك أنا أيضًا من المقومات والظروف الاجتماعية ما يجعلني جديرًا بهذه المسؤولية؟ فلماذا وقع الاختيار عليه، ولم يقع عليَّ؟
وقد ترتبط هذه التساؤلات أحيانًا بصورة القائد في الوعي الاجتماعي. إذ قد يتأثر تطلع البعض إلى القيادة بما يصاحبها من تقدير ومكانة ظاهرة، إلى جانب ما قد يرتبط بها من مزايا وظيفية. فالمجتمع يميل إلى الاحتفاء بصاحب المنصب والنفوذ وإبرازه في بعض المناسبات الاجتماعية العامة، حتى تلك التي لا ترتبط بطبيعة العمل أو المسؤولية الرسمية. فيُنظر إلى الأفراد من خلال مواقعهم الإدارية، في ظل أعراف وثقافات اجتماعية تراكمت عبر الزمن. ومن هنا يرى البعض القيادة معبرًا إلى المكانة والوجاهة والمزايا، بينما تظل حقيقتها مسؤولية وأمانة وتكليفًا. ولعل الارتقاء بفهمنا لمعنى القيادة يعيد توجيه هذا التقدير؛ ليكون معيار الاحتفاء ليس في المنصب ذاته، بل في حجم الأثر ومقدار القيمة التي يضيفها القائد للمجتمع.
غير أن الشخص الذي يطرح هذه التساؤلات قد يغفل عن حقيقة إيمانية عظيمة، وهي أن الله سبحانه وتعالى قد يؤخر عنه أمرًا يتمناه، أو يصرفه عنه، لحكمة يعلمها سبحانه. فقد يكون الخير كل الخير في ألَّا يناله، وإن بدا له في ظاهره أنه فقد فرصة كان يطمح إليها. قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216]. فلعلَّ ما يراه الإنسان حرمانًا يكون في حقيقته حمايةً له من أمر لا يُدرك أبعاده. فالقيادة ليست مجرد منصب يُسعى إليه، بل مسؤولية عظيمة لها أعباؤها وتبعاتها واختباراتها. ولا ينجح فيها الإنسان إلا بتوفيق من الله، ثم بما يمتلكه من قدرة على حمل الأمانة وأداء حقها.
ومع ذلك، فإن إيمان الإنسان بأن ما لم ينله قد يكون الخير له في عدم نيله، لا يعني الاستسلام للواقع أو التخلي عن طموحه. فتساؤله عن سبب عدم اختياره لمنصب قيادي يُعبّر عن لحظة إنسانية ومهنية صادقة، ويعكس رغبة مشروعة في التقدير والتطور الوظيفي. ومن ثم، فليس من الخطأ أن يطمح إلى تولي منصب قيادي، أو أن يعبّر عن استعداده لتحمل مسؤولية أكبر، بشرط أن ينبع هذا الطموح من وعي حقيقي بمتطلبات القيادة، وإدراك لطبيعة أعبائها، واستعداد دائم لتطوير ذاته، وتنمية قدراته، وتعزيز جاهزيته حين تحين له فرصة القيادة. وأن يبدأ في التحول الفعلي في نظرته إلى العمل من عقلية "كيف أنجز أنا؟" إلى عقلية "كيف أساعد الفريق على الإنجاز؟".
ويمكن الاستدلال على مشروعية السعي إلى تولي المسؤولية بما أخبر الله تعالى به عن النبي يوسف عليه السلام، حين طلب من فرعون مصر أن يوليه مسؤولية خزائن الأرض. ولم يكن طلبه بحثًا عن مكانة أو جاه، وإنما بيانًا لما يمتلكه من صفات تؤهله لحمل هذه الأمانة. فذكر النبي يوسف عليه السلام صفتين جوهريتين: "حفيظ" أي مؤتمن يحفظ ما يُوكل إليه، و"عليم" أي يمتلك المعرفة والخبرة اللازمة لإدارة هذه المسؤولية. إذ قال الله عز وجل: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55].
من جهة أخرى، يرى بعض الناس أن إفصاح الشخص عن رغبته في تولي القيادة يُعد استعجالًا لها، وأن ذلك يقتضي حرمانه منها، استنادًا إلى القاعدة المشهورة: "من طلب شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه". وفي تقديري أن هذه القاعدة لا يصح تعميمها على كل من يسعى إلى القيادة. إذ لا تنطبق إلا على من يستعجلها قبل أن يتهيأ لها، أو يحاول بلوغها بوسائل محرمة، أو يجعل الوصول إليها غايته الأولى دون أن يستعد لحمل أمانتها. أما من يطمح إلى القيادة لأنه يرى في نفسه القدرة على خدمة الآخرين وتحمل المسؤولية، ويسلك الطريق المشروع، ويعمل على تطوير ذاته حتى يكون أهلًا لها، فلا ينبغي أن تُتخذ هذه القاعدة حجة في حقه.
وفي المقابل، هناك من لا يسعى إلى القيادة ولا يرغب في تقلد المناصب. وقد شهد التاريخ رجالًا عظامًا زهدوا في قبولها حين عُرضت عليهم. ومن هؤلاء الإمام سالم بن راشد الخروصي -رحمه الله-، أحد أبرز أئمة عُمان في تاريخها الحديث، الذي أستحضر سيرته بإعزاز خاص؛ إذ كان عمَّ والدي، ومثّل في نظري نموذجًا استلهمت منه معنى من معاني القيادة القائمة على الزهد في المنصب، والخوف من التقصير في أداء الأمانة. فحين عُرضت عليه في عام 1913م إمامة عُمان، اعتذر عن قبولها في بداية الأمر؛ استشعارًا منه لعِظَم الأمانة وثقل المسؤولية. ولم يقبل توليها إلا بعد إلحاح شديد من أهل الحل والعقد، حتى أقنعوه بأن الإمامة لا تستقيم في تلك المرحلة إلا بتوليه لها، وأن المصلحة العامة تقتضي أن ينهض بهذه المسؤولية الجسيمة.
غير أن مشروعية التطلع إلى القيادة لا تعني أن المنصب القيادي غاية تُطلب لذاتها. فالقيادة مسؤولية عظيمة قبل أن تكون تشريفًا، وأمانة قبل أن تكون تكريمًا. وقد ذكّرنا الله تعالى بعظم الأمانة التي يتحملها الإنسان، إذ قال عز وجل: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]. وإذا كانت الأمانة مسؤولية شاملة، فإن القيادة من أعظم صورها؛ لما تتضمنه من رعاية مصالح الناس، واتخاذ القرارات، وتحمل تبعاتها. ومن هنا ينبغي أن يتنبه الإنسان إلى أن المنصب أمانة ثقيلة، وأن يسأل نفسه: هل أنا مستعد فعلًا لحمل هذه المسؤولية وأداء حقها؟ بدلًا من أن يسأل: لماذا لست أنا؟
ولذلك لا ينبغي أن ينظر الشخص إلى المنصب بوصفه مكسبًا شخصيًا أو امتيازًا، بل باعتباره تكليفًا يقتضي العدل، وحسن التدبير، وتحمل المسؤولية. ومن هنا جاءت توجيهات النبي محمد ﷺ محذرة من طلب الولاية لمجرد الرغبة فيها أو التطلع إلى ما تمنحه من مكانة، فقال: "إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة". وقال لعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه: "لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وُكِلت إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألة أُعِنت عليها". كما بيّن النبي ﷺ لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه، حينما طلب الولاية، أن تولي المسؤولية يحتاج إلى ما يلائمها من قدرات واستعدادات، فقال له: "يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها".
وقد علّمتني معايشة الواقع، في بيئة العمل كما في المجتمع، إلى جانب دراستي الأكاديمية، أن القيادة لا تقوم فقط على الكفاءة المهنية، أو الشهادات العلمية، أو سنوات الخبرة، أو مقدار الجهد والتميز في الأداء، رغم أهمية كل هذه العناصر ودورها في بناء القائد. فليس كل طبيب بارع يصلح لإدارة مستشفى، وليس كل معلم متميز مؤهلًا لإدارة مدرسة، وليس كل طيار ماهر يصلح لإدارة شركة طيران. وينطبق الأمر ذاته على مختلف المجالات والمستويات القيادية. فقيادة الآخرين، وكسب عقولهم وقلوبهم، تتطلب قدرات تتجاوز المعرفة التخصصية والخبرة الفنية. وهي لا تُقاس بما ينجزه الإنسان بمفرده، بل بما يستطيع أن يحققه مع الآخرين، ويحفزهم على تحقيق المزيد. ولذلك لا تُختبر القيادة يوم صدور قرار التعيين، وإنما تُختبر في كل قرار يتخذه القائد بعد ذلك.
وقد يمتلك الشخص الذي لم يقع عليه الاختيار مؤهلات قيادية وتنظيمية وتواصلية، إلى جانب الخبرات والقدرات التي تؤهله لتولي المسؤولية. إلا أن قرار الاختيار قد يستند إلى اعتبارات أخرى متعددة؛ تنظيمية، أو استراتيجية، أو اجتماعية، أو سياسية، ترتبط بظروف المرحلة ومتطلبات المصلحة العامة. ولا يعني ذلك تفضيلًا قائمًا على انحياز شخصي أو معايير غير مهنية. وهي اعتبارات لا شك يدركها متخذ القرار بحكم اطلاعه على الصورة الأوسع، بينما قد لا تكون متاحة لعموم الناس.
فالعمل يحتاج إلى مهارة ومعرفة وخبرة فنية، أما قيادة الناس فتحتاج، إلى جانب ذلك، إلى قدرات إنسانية لا تقوم على معيار واحد، ولا تختزل في التميز المهني أو المعرفة التخصصية وحدهما. بل تتطلب مجموعة متكاملة من القدرات، من أبرزها: وضوح الرؤية، والحكمة في قراءة المواقف، والقدرة على التواصل والتأثير والتحفيز، وبناء الثقة، وإدارة الضغوط والأزمات، واتخاذ قرارات متوازنة تراعي الإنسان والهدف معًا، إلى جانب الصدق والنزاهة، والتفكير الاستراتيجي، وفهم السياق المؤسسي.
فما إن يتولى الإنسان القيادة حتى يصبح مسؤولًا عن أشخاص تتأثر قراراته بمساراتهم المهنية وحياتهم العملية. كان ينتظر من يحفزه، فأصبح مطالبًا بأن يكون مصدر تحفيز لفريقه. وكان يخطئ فيصحح له، أما حين يصبح قائدًا فقد تمتد آثار قراراته إلى حياة الآخرين ومستقبلهم المهني. ولعل هذا المعنى يتجلى في قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها: لِمَ لمْ تمهد لها الطريق يا عمر". فهذا التصور للمنصب لا يراه تشريفًا، بل تكليفًا ومسؤولية تمتد آثارها إلى كل من تقع عليهم ولاية القائد ورعايته.
لعلي أخلص من هذه السطور إلى أن ليس كل من لم ينل القيادة أو يُعيَّن في منصب قيادي قد ظُلِم. فاختيار القائد تحكمه معايير قد لا يراها الناس كلها. ولذلك، يبقى السؤال الأجدر بالطرح: "كيف أصبح أهلًا لها إذا جاء دوري؟"، وليس: "لماذا لست أنا؟".
**ماجستير في القيادة التربوية
